القائمة المشتركة وإعادة تقييم جدوى النضال البرلماني

القائمة المشتركة وإعادة تقييم جدوى النضال البرلماني

سليمان أبو إرشيد

قال لي أحد الأصدقاء وهو متابع جيد للشأن السياسي بحكم الموقع والمهنة، أن "القائمة المشتركة" ستكون، على ما يبدو المسمار الأخير، في نعش النضال البرلماني، فهي على حد قولهن أسقطت جميع الحجج التي طالما تذرع بها عشاق هذا النوع من النضال، الذين أشبعونا أوهاما حول القوة الانتخابية للعرب وثقلهم السياسي وتأثيرهم الحاسم على السياسة الإسرائيلية، سواء كانوا في الائتلاف أو في المعارضة، وتطعيم ذلك بمقولات من قبيل "سيحسبون لنا ألف حساب" و"القوة الثالثة" و"الخروج من دائرة التهميش" وأوهمونا أننا سنمشي في الشارع أو في الكنيست مرفوعي الرأس.

ويظهر أن من باعونا هذه الأوهام، على مدى سنوات، كانوا شبه متأكدين أن شرط تحقيق هذه الأحلام، وحدة الأحزاب العربية في إطار قائمة مشتركة، هو شرط تعجيزي وبعيد المنال ولذلك لن يأتي اليوم الذي توضع فيه مقولاتهم أمام امتحان الواقع، أما الذين رددوا هذه المقولات دون اختبارها، فما كادوا يستفيقون من تحقق المعجزة، الوحدة، بجرة تصويت على رفع نسبة الحسم حتى فاجأتهم النتائج التي جاءت مخيبة للآمال ومبخرة للأحلام..

طبعا، شعبنا المتعود على النكسات والخيبات بلع "الغلب" وتوخى الخير في "الجايات" أي في أداء القائمة المشتركة كقوة برلمانية موحدة (بفتح الحاء) وموحدة (بكسر الحاء) للعرب، إلا أن خيبته كانت أكبر، إذ أن أي مقارنة بين أداء النواب العرب وإنجازاتهم كأفراد وكأحزاب وكـ"لوبي عربي"، إن صح التعبير، وبين أداءهم في هذه الدورة ترجح لصالح الدورة السابقة التي كانوا فيها أحزابا متنافسة ومتصارعة.

التراجع في الأداء رافقه أيضا نكوص خطير عن المنطق الكفاحي القائل بـ"انتزاع حقوقنا من أنياب مغتصبيها" الذي أرسته جماهيرنا بعد يوم الأرض، على إثر إسقاط "عكاكيز السلطة" الذين رضوا بالاعتياش على  فتات الموائد ردحا من الزمن... وكذلك تراجع عن الخطاب السياسي الذي يرفض التسليم بيهودية الدولة وحشرنا على هامش المجتمع الإسرائيلي، والذي عمدته هبة الأقصى عام 2000 والجيل منتصب القامة.

النهج المسيطر في المشتركة والذي سوق لنفسه بمقولات الواقعية والعقلانية على مدى عقود، تفاقمت حالته مع استحداث قيادات جديدة شابة تبتعد زمنيا عن إرث المقاومة الفلسطينية واستحداث يافطات مثل اختراق المجتمع الإسرائيلي والتأثير في الشارع الإسرائيلي وهو أصحابها في منزلقات التزلف والاسترضاء وتملق الإعلام والمجتمع الإسرائيلي، وهم بذلك يلحسون حتى تراث آبائهم السياسيين (الحزبيين) ويعودون بنا القهقري عقودا من الزمن.

والأنكى من ذلك أن هذا النهج وبحكم سيطرته، كما أسلفنا، على قيادة المشتركة وقرارها، يحشر بشكل إرادي أو لا إرادي الجميع خلفه بعد تحييد الاختلافات والخلافات السياسية، بل هو يحاول تكريس حالة أن عضو الكنيست أو الحزب الذي يحيد عن هذا الطريق يحيد عن جادة الوحدة والصواب، كما حدث في قضية النائب باسل غطاس، بمعنى أنه أعطى لنفسه عنوة، دور المرجعية السياسية للمشتركة يفتي بما يشاء ويحق له وصف ووصم هذا النائب أو ذاك الحزب، بالخروج عن قاعدة المشتركة وسقفها إذا لم يتفق معه بالرأي حتى دون الرجوع إلى المرجعية الموحدة إن كانت موجودة، ما يضطر بعض الأحزاب إلى "ضغط" قاماتها العالية وربما قطع بعض الرؤوس لتبقى تحت هذا السقف.

ومن المفارقات أن الإيجاب الأهم أو الوحيد، الذي يذكر للمشتركة، أنها وضعت حدا للصراعات والمماحكات الحزبية، كما يسمونها، والذي يترجم على أرض الواقع بما يشبه القضاء على دابر النقاشات والجدل السياسي، الذي كان يثري ساحتنا ويمنحها صفة الحياة، أو ما يمكن وصفه بنزع الروح من الاختلافات والخلافات السياسية القائمة بين الأحزاب والحركات المختلفة والتي تعطي الدفع لعجلة العمل السياسي وتمنحها القدرة على الحركة والتجدد.

وعودة إلى ما بدأت به، فإن صديقي، وهو ليس من عشاق المقاطعة، يدعي أن عشاق النضال البرلماني خسروا بتشكيل القائمة المشتركة الأمل الأخير الذي كان يدفع الناس للتصويت، بعد أن رسبت في امتحان التجربة حتى الآن، وهو ما يستوجب إعادة تقييم للتجربة وللنضال البرلماني عموما، في ضوء محاولات المؤسسة الإسرائيلية تغيير قواعد اللعبة الديمقراطية، خاصة من قبل الأطراف التي لا ترى في الكنيست "مربط خيلنا".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018