لو صرنا أكثرية بين النهر والبحر!

لو صرنا أكثرية بين النهر والبحر!

سهيل كيوان

إسرائيل من ناحية عددية تشكل 2% فقط من عدد العرب في منطقة الشرق الأوسط، ورغم هذا فهي تملك قوة العرب مجتمعين وتفوقهم وتتحداهم بسبب تشرذمهم.  


 يقوم 250 ضابطا إسرائيليا هذه الأيام بحملة دعائية ضخمة بنشر لافتات في المدن الكبيرة، يعلنون من خلالها أن ضم الضفة الغربية سيؤدي إلى أن يصبح الفلسطينيون أكثرية واليهود أقلية بين النهر والبحر، وهذا يعني أن تفقد الدولة طابعها اليهودي، ومن هذا المنطلق يدعو هؤلاء إلى الانفصال عن الفلسطينيين.

من جهة أخرى، يتحدث فلسطينيون وعرب بحماس عن أكثرية فلسطينية بين البحر والنهر خلال العقود القليلة المقبلة، وكأن القضية هي زيادة مئة ألف أو حتى مليون عن اليهود، أي الكم وليس الكيف والنوعية، ولا القدرات التي يكون فيها هذا الكم.

إن أقلية عالية التنظيم والتسليح ممكن أن تحكم أضعاف عددها بكثير، وممكن لستة ملايين حكم خمسين مليونا بسهولة، أي أن ستة ملايين يهودي منظم ومسلح ويملكون كل مصادر القوة بالعلم والاقتصاد والسلاح ممكن أن يحكموا أضعافهم من الفلسطينيين. صحيح أن الأمر سيكون أصعب، ولكن هناك أمثلة كثيرة عن دول صغيرة العدد حكمت أعدادا مضاعفة منها من البشر، بالعقل والعلم والاقتصاد والقوة والتنظيم.

إسرائيل من ناحية عددية تشكل 2% فقط من عدد العرب في منطقة الشرق الأوسط، ورغم هذا فهي تملك قوة العرب مجتمعين وتفوقهم وتتحداهم بسبب تشرذمهم.     

جميلة شعارات الضباط ولكن عن أي انفصال يتحدثون! هل يستعدون لانتخابات جديدة لخوضها على ضوء فضائح نتنياهو واحتمال حل الحكومة وإجراء انتخابات! خصوصًا أن بينهم أسماء كبيرة مثل رئيس الأركان الأسبق دان حالوتس وغيره، ويقصدون إبقاء المستوطنات القائمة دون إزالتها والاكتفاء يعدم توسيعها. بالطبع لا حديث عن أن القدس موحدة عاصمة لإسرائيل، وهل الانفصال عن الفلسطينيين فقط لكونه خطرا ديمغرافيا يهدد طابع الدولة اليهودية وليس ضد مبدأ احتلال أراضي الغير بالقوة العسكرية.

واضح أن حركة الضباط تستثني القدس ولا تقصد إخلاء مستوطنات خصوصا الكبيرة منها، وهي لا تقدم حلا، إنما هي حركة احتجاجية وليس أكثر. ولو أنها تقصد حقا الذهاب إلى ما هو جدي وثابت وممكن البناء عليه، فالشرعية الدولية هي العنوان والأساس والذي يجب مواجهة شعب إسرائيل بها.

من الملاحظ أن حركة الضباط تزامنت مع انعقاد مؤتمر باريس الذي شاركت فيه سبعون دولة، وقبل أيام من بدء الرئيس الأميركي ترامب مزاولة مهامه، وهو الذي أعلن أنه لا يؤيد أي قرار أممي بوقف الاستيطان أو عدم شرعيته، ويدعو بريطانيا لاستخدام الفيتو ضد أي قرار معادٍ لإسرائيل كما وصفه، وهذا يعني أن حملة الضباط هذه تنظر بخطورة إلى سياسة ترامب المتطرفة والتي تتماشى مع تطرف نتنياهو ومن هم أكثر يمينية منه، ويرون بهذا خطرا يستبعد أي إمكانية لحل سلمي، وفي تحركهم هذا رسالة إلى ترامب، بأن هناك قوى أخرى غير اليمين المتطرف وبيبي نتنياهو يجب أخذها بعين الاعتبار.

من ناحية أخرى، فإن مؤتمر باريس الذي ختم أعماله يوم أمس الأحد، دعا إلى أن أساس حل الصراع هو حل الدولتين، وأن حدود الرابع من حزيران/ يونيو هي حدود دولة فلسطين بما فيها القدس دون التطرق لقضية اللاجئين، وهو لا يرتقي إلى مستوى القرارات الدولية السابقة بهذا الشأن. وهو قرار ليس له من أدوات القوة شيئا، ويُفرغُ من مضمونه وقوته عندما يعيد الحل إلى التفاوض المباشر بين الطرفين، أي أن الحل لن يفرض على إسرائيل المتغطرسة، ويترك الأمر للتفاوض المباشر والابتزاز الإسرائيلي، ويعيد الوضع إلى ما هو عليه الآن. نتنياهو يرفض وقف الاستيطان مدعوما من ترامب، وسوف يزداد عنجهية وتطرفا وجنونا الآن في ضوء الشبهات المحيقة به، في محاولة مستميتة لصرف الأنظار عن فضائحه، سوف يزداد إطلاقا للشعارات القومجية البذيئة مثلما فعل بعد هدم البيوت في قلنسوة، وكأنه في حالة حرب ضد دولة معادية. 

وعودة إلى حسابات الأكثرية والأقلية، فليست هذه هي القضية وليس هذا ما ننتظره لأنه لن يشكل حلا.

المطلوب وحدة فلسطينية ووقف التشرذم الذي يضعف الجميع أمام هذا التغوّل الفاشي الذي يحاصر غزة ويستوطن في الضفة ويتوسع ويهدم داخل مناطق 48.

لا لتعليق آمال كبيرة على حركة ضباط غير واضحة المعالم ولا على التفاوض المباشر بين قوي وضعيف، وليس لشعبنا من أمل سوى عودة قيادته في رام الله وغزة إلى رشدها وإعادة الوحدة بين أبناء الشعب الواحد، والعودة إلى طرق النضال الحقيقي التي تجعل من الاحتلال عبئا على المحتلين.          

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018