من عرعرة لأم الحيران: مشاهد الأسبوع الأخير

من عرعرة لأم الحيران: مشاهد الأسبوع الأخير

رامي منصور

خلال أسبوع واحد، خرج أكثر من 30 ألف متظاهر عربي للتعبير عن غضبهم ورفضهم لتصعيد الحكومة الإسرائيلية في عمليات هدم المنازل العربية. خرجوا في مظاهرتين، الأولى في قلنسوة قبل أسبوع، والثانية في عرعرة أمس السبت.

حجم المشاركة الواسعة يؤكد أن الغضب سيتزايد في الفترة المقبلة مع كل تصعيد حكومي جديد، وأن حالة الاستكانة 'النضالية' التي عشناها في السنوات الأخيرة والتي ترافقت مع الأحاديث الحكومية عن 'خطط تطوير للعرب' بمليارات الشواقل، كانت وهما ولم تمنع قتل المربي يعقوب أبو القيعان عند أول مواجهة بين السلطة والمواطنين العرب.

في مظاهرة عرعرة أمس السبت، قررت الأغلبية، كبار السن قبل الصغار، التوجه إلى نقطة المواجهة مع الشرطة قرب شارع وادي عارة، فيما قرر قسم آخر التوجه إلى 'المهرجان الخطابي' الذي عقد في حرش في منطقة نائية وبعيدة تصلها السيارات بصعوبة. أدرك آلاف المتظاهرين أنهم سيكونون 'أسرى' لسماع خطابات تحولت إلى طقوس وطنية لا تستقطب الجيل الجديد وتنفر حتى الوطنيين الذين واظبوا طيلة عقود على المشاركة في المسيرات والمظاهرات.

***

الرغبة بالنزول إلى الشارع أمس لم تكن بدافع المواجهة من أجل المواجهة أو الاصطدام بقوات الأمن، ولكن كان تمردا على السياسة العاجزة عن منع الهدم المقبل والضحية المقبلة، ورغبة في إيصال رسالة عبر الميدان وليس عبر الخطابات. الخطابات قد توصل الرسائل إلى الفضائيات العربية، لكن الاحتجاج الميداني يوصل الرسائل إلى الحكومة والرأي العام في إسرائيل، ويخلق وعيا للمواجهة والتضحية، وهذا فرق كبير جدا، لأن الأول يدعو إلى الاستكانة وتنفيس الغضب.

لكن، الاحتجاج في الميدان وإغلاق الشوارع ليس الهدف وليس كافيا، بل يحتاج إلى قيادة سياسية تحدد الهدف. ما هو هدفنا من كل الاحتجاجات؟ وقف الهدم في البلدات العربية؟ الاعتراف بالقرى غير المعترف بها؟ توسيع مسطحات البناء في البلدات العربية خلال عام؟

عرعرة، أمس (أ ف ب)

من الضروري تحديد الهدف الأساسي الذي تناضل الناس من أجله، حتى لا يتم 'تمييع' نضالنا وحتى لا ينتهي بمطالبة إقالة وزير أو قائد شرطة أو إعادة بناء منازل هدمت. هذه مطالب وخطوات مهمة ولكنها ليست الجوهر.

في بلعين ونعلين وغيرها من القرى الفلسطينية، من واجه جدار الفصل العنصري وأعاق تشييده هو الميدان، وليس خطابات السياسيين، ولكن كان لهم الدور الهام في التوجه للقضاء الدولي وتجريم بناء الجدار. 

***

فاق عدد المتحدثين في اجتماع لجنة المتابعة في رهط، يوم الخميس الماضي، عدد منازل أم الحيران، المهدومة والمبنية، بل ضعفها، ويمكن الجزم بأن أعمار المتحدثين، أغلبهم من الرجال، فوق الأربعين عاما.

ليس هذا التوصيف مجازيا ولا انتقاصا، بل أن الاجتماع الذي طال ساعات كان أسوأ من اجتماعات القمم العربية. كلام مكرر وفوضى. منح رئيس المتابعة، محمد بركة، حرية الوقت لمعظم المتحدثين بسبب الظروف الاستثنائية، لكن الكثير من الأحاديث كانت تسجيل حضور ولا تقدم شيئا. ربما حديث الشيخ رائد صلاح كان الأقرب إلى الواقع، بأن الأسئلة كثيرة ولا أجوبة لدينا. هكذا قالها بصراحة. ليس هذا انتقاصا من القيادة بل بالعكس. المصارحة هي المطلوبة. لا نملك، قيادة وشعبا، الكثير لرد العدوان، لا نملك جيش مشاة ولا مدرعات، كما قال صلاح. وحاول رئيس التجمع عوض عبد الفتاح هو الآخر إيجاد أجوبة على كثير من الأسئلة والتحديات التي تضعها إسرائيل، ويعزو الضعف إلى انعدام التنظيم والمأسسة. ما هي آلياتنا وخطواتنا العملية بعد كل هدم؟ هل من خطة؟ كيف نتصرف في المرة القادمة؟

من يحضر اجتماعات المتابعة يشعر بحجم التحديات وبأنها بحجم الجبال، لكنه سيسمع الكلام ذاته. من المؤكد أنه ليس هناك حلول سحرية وأن المعركة طويلة ومفتوحة، لكن 'عقم المتابعة' سببه بما كتبته في مرات سابقة: اللجنة هرمة وأدواتها وتفكيرها تعود إلى ما قبل عقدين، وكأن قراراتها معدة سلفا.

ليست هناك حلول سحرية ولكن هناك خطوات عملية. ضخ دماء جديدة للمتابعة، دماء شابة ومبادرة ومبدعة.

كثر الحديث في اجتماع المتابعة يوم الخميس الماضي وطال ساعات واقتصرت القرارات على 'الإدانة' و'الاستنكار' و'التبني':

- تدعم لجنة المتابعة قضية اعادة بناء البيوت المهدمة...

- تؤكد لجنة المتابعة على قراراتها السابقة...

- تدعو لجنة المتابعة كافة الأحزاب والأطر والفعاليات...

- تتبنى المتابعة قضية المعتقلين...

- تستنكر المتابعة وتدين حملة الترهيب السلطوية ضد الناشطين في النقب...

- تدين لجنة المتابعة انفلات وزير 'الأمن الداخلي'، بالتحريض على الجماهير العربية..

- الدعوة إلى صلاة جمعة حاشدة يوم غد الجمعة في قرية أم الحيران...

***

ظهر واضحا في اجتماع المتابعة في رهط وجود خلاف في القائمة المشتركة حول مصير قرية أم الحيران، وأن الأغلبية في القائمة ترفض إخلاء القرية والمفاوضات مع السلطات لنقل الأهالي. ويبدو أن معظم أعضاء القائمة تفاجأوا من أن النائب أيمن عودة يشارك في المفاوضات التي قام بها قسم من أهالي القرية للحصول على تعويض والانتقال للسكن في حورة القريبة.

أغلبية أعضاء المشتركة يرفضون ترحيل أم الحيران ويدعون إلى الاعتراف بها، خصوصا أنه من المخطط إقامة مستوطنة يهودية على أنقاضها.

بعد 'غدر' السلطات للأهالي وهدم منازل في القرية خلال المفاوضات، يوم الأربعاء الماضي، يجدر بالمشتركة مساندة الأهالي بطرح المطالبة بالاعتراف بالقرية بدلا من الترحيل. قد يقول البعض إن 'أهل مكة أدرى بشعابها' وأن 'من يده بالنار ليس مثل من يده بالماء'. هذا صحيح، لكن في حال جرى التعامل مع أم الحيران كحالة فردية دون سياق استعماري عام.

ذكرت أعلاه ضرورة تحديد الأهداف والاتفاق عليها والالتزام بها، لكن يبدو أن هذا ما لم يحصل بالمشتركة بقضية أم الحيران. هناك من قرر أن المفاوضات هي الحل.

***

انعكست المنافسات بين بعض نواب القائمة المشتركة على اجتماع المتابعة في رهط. فهذا النائب يتحفظ على التدويل والمطالبة بالحماية الدولية، ويتساءل ماذا فعلت هذه الدول لسورية وليبيا. للوهلة الأولى يثير هذا التحفظ التساؤل، لكن النائب يتدارك ويقول إنه يؤيده ولكنه لا يعول عليه كثيرا. نتذكر بعد دقائق أن سبب التحفظ أن نائبا غريما حاول قبلها بيوم الترويج وتبني مطلب الحماية الدولية كأنه فكرته. هنا يبدو كم الحدث كبيرا وكم السياسة وحساباتها صغيرة. ويتبيّن ذلك أكثر بعد أن ينهي ذاك النائب، حديثه ويغادر مسرعا القاعة ليتحدث لوسائل الإعلام. غادرتُ القاعة بعد أكثر من ثلاث ساعات ولم يعد ذاك النائب إليها. قال ما لديه وخرج للإعلام ولم يعد.

***

متظاهرون في عرعرة، أمس (رويترز)

أخيرًا، معركة الأرض هي معركة على هويتنا وهوية البلاد، وهي معركة وجودية ووجدانية مفتوحة، تستدعي نفسا طويلا ووحدة وطنية حقيقية وقدرة عالية على التنظيم. فقط لجنة المتابعة بمقدورها توفير هذه الشروط للمرحلة المقبلة. من دون مؤسسة وطنية جامعة وقوية سيتحول نشاطنا إلى 'فتات نضالي' هنا وهناك وإلى صراعات داخلية خطيرة. لكن في المقابل، على المتابعة أن تفتح أبوابها لطاقات جديدة ستعززها وتزيد من قوتها وتأثيرها، مثل الحراكات الشبابية والطلابية. لا غنى عن المتابعة ولا بديل للطاقات الشبابية التي شاهدناها أمس في عرعرة. 

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة