"عمونا" والشعب الفلسطيني

"عمونا" والشعب الفلسطيني

رامي منصور

تتجه أنظار اليمين الاستيطاني في إسرائيل إلى وزارة القضاء والمحكمة العليا بعد إصرار الأخيرة على إخلاء البؤرة الاستيطانية 'عمونا'. فبالإضافة إلى محاولاته إلى تشريع قانون 'التسوية' الذي يستهدف الأراضي الفلسطينية الخاصة وحق الملكية في الضفة المحتلة، يسعى اليمين الاستيطاني إلى 'تحييد' المحكمة العليا، والتحييد هنا لا يعني النزاهة والحيادية، بل الشلل أو الإعدام، وهو مصطلح يستخدم في إسرائيل في سياق عمليات الإعدام لفلسطينيين بذريعة تنفيذ عملية طعن أو دهس.

وقضية إخلاء عمونا ومشروع قانون 'التسوية' يعتبران بنظر حقوقيين ومحللين، 'يساريين' ويمينيين، علامة فارقة تؤشر إلى نهاية المحكمة العليا، التي تعتبر الحصن الأخير لـ'الديمقراطية الإسرائيلية'. فهذا ما كتبه قبل أيام المحامي ورجل القانون اليساري المعروف أفيغدور فيلدمان في 'هآرتس'، وهو قريب إلى حد كبير إلى ما كتبه رئيس تحرير أسبوعية 'ماكور ريشون' اليمينية الاستيطانية (شقيقة 'يسرائيل هيوم'). إذ كتب حاغاي سيغال، وهو عضو سابق في تنظيم إرهابي يهودي نشط في مطلع الثمانينات وتحول لاحقا إلى صحافي: 'الفلسطينيون الذين التمسوا للمحكمة العليا (لإخلاء عمونا) لن يسمح لهم السكن هناك، والواقع القضائي الذي سمح لهم الالتماس سيتبدل، إذا لم يحصل ذلك من خلال قانون التسوية، من خلال تنظيف الرؤوس في ممرات وزارة القضاء...'. بصريح العبارة، يعلن سيغال أن هدف المستوطنين بعد سيطرة حزب 'البيت اليهودي' واليمين الاستيطاني على وزارة القضاء هو التقدم نحو المحكمة العليا وتعديل وضعيتها بحيث يجري ضبطها والهيمنة عليها من قبل قضاة يمينيين يحدون من تدخلات المحكمة 'الليبرالية'.

والهيمنة على المحكمة العليا ليست أمرا صعبا، فهي بحاجة إلى تعيين ثلاثة أو أربعة قضاة من اليمين أو يحملون مواقف يمينية (عدد قضاة المحكمة ١٥ قاضيا)، لينضافوا إلى القاضي إلياكيم روبنشتاين المعروف بمواقفه المتشددة، والقاضي المستوطن سولبرغ. وقال المستوطنون بشكل واضح إن قرار إلغاء اتفاقية تعويض مستوطني 'عمونا' في المحكمة العليا جاء بسبب تشكيلة هيئة القضاة التي بتت بالقضية، والمؤلفة من القاضي العربي سليم جبران والقاضي يورام دنتسغير، الذي يدعي المستوطنون أنه كان ناشطا في حركة 'سلام الآن' في شبابه. الاثنان دعما قرار إلغاء اتفاقية 'عمونا' بينما عارضه الثالث وهو القاضي المتدين نيل هندل. وبنظر المستوطنين فإن القضية ليست مبدئية في المحكمة العليا وإنما قضية أشخاص القضاة، ويشيرون إلى أن رئيسة المحكمة مريم ناؤور ترفض تعيين القاضي المستوطن سولبرغ للبت في قضية تتعلق بالاستيطان والفلسطينيين.

وهنا يجب التأكيد على أن المحكمة العليا شرعت العديد من ممارسات الاحتلال والمستوطنين، وتقوم بتشريعها حتى اليوم، لكنها تتجنب دعم قوانين أو ممارسات من شأنها تعريض المسؤولين أو الحكومة الإسرائيلية لانتقادات كونها تتعارض مع القانون الدولي، وخصوصا في الضفة الغربية.

يبدو أن لا شيء يقف أمام مخططات اليمين الاستيطاني للإطاحة بالمحكمة العليا، فوزيرة القضاء أييليت شاكيد من 'البيت اليهودي' تعلن أن هيمنة النخب القديمة على المحكمة قد ولت. أما بنيامين نتنياهو، فهو غارق بقضايا فساد تهز عرشه، وسيكون خاضعا في الفترة المقبلة لابتزازات المستوطنين في ظل رغبة لديه بترك 'إرث' يتعلق بزيادة الاستيطان وتكثيفه في الضفة الغربية ومنع إقامة الدولة الفلسطينية، بدلا من 'إرث' الفساد.

اعتبر قادة المستوطنين بمن فيهم 'البيت اليهودي' أن إخلاء 'عمونا' خسارة لمعركة وليس للحرب، وأن الرد سيكون بمزيد من الاستيطان وصولا إلى ضم مناطق 'ج' للسيادة الإسرائيلية. وقد عبر الوزير نفتالي بينيت في مؤتمر قبل أسبوعين تقريبا عن رؤيته للمرحلة المقبلة، وتحدث عن خطة من أربعة بنود، وقال بصراحة إن الهدف هو ضم مناطق 'ج' واعتبار الدولة الفلسطينية قامت في قطاع غزة ودعم الحكم الذاتي في الضفة الغربية، ودعا إلى 'خطة مارشال' لتطوير الضفة الغربية اقتصاديا، أي عمليا ضم كل الضفة وإبقاء البلدات الفلسطينية تحت إدارة وكيل ثانوي.

ليست خطط اليمين سرية، بل تطبق كل يوم على الأرض في الضفة الغربية، ويصرح بها قادة اليمين عبر وسائل الإعلام.

***

يفتح وصول دونالد ترامب للحكم في الولايات المتحدة شهية المستوطنين والحكومة الإسرائيلية لفرض واقع استيطاني في الضفة الغربية، يمنع ويلغي إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية، حتى لو دولة منقوصة كما صرح نتنياهو قبل أسابيع.

ويسعى اليمين الاستيطاني، وهو المهيمن على معسكر اليمين، إلى تقويض المحكمة العليا بعد هيمنته على مؤسسات مركزية في إسرائيل، بدءا بوزارة القضاء وصولا إلى وسائل الإعلام مرورا بالأكاديميا، وذلك بهدف خدمة مشروعه الاستيطاني. وكما يظهر، فإن هدف هذا اليمين ليس حق تقرير المصير للشعب اليهودي في 'وطنه' ولا الدولة اليهودية، بل هدفه السيطرة على الأرض حتى لو كان الثمن التخلي عن 'ديمقراطية' الدولة. هذا يمين مهووس بالسيطرة على الأرض، إلى درجة إنه مستعد لقبول ضم أراض يعيش فيها فلسطينيون مثل مناطق 'ج'. وهذا اليمين على استعداد للتحالف مع حركات يمينية متطرفة في أوروبا كان يصفها حتى فترة قريبة بأنها لا سامية ومعادية لليهود. هو مستعد لذلك لأنها معادية للعرب والمسلمين ولأنها تدعم مشاريع إسرائيل وترى فيها حليفا لمحاربة 'الإرهاب الإسلامي'.

هذا اليمين ليس إسرائيليا بالضبط، بل هو يهودي بالتحديد، ويهوديته تتجاوز الإسرائيلية والصهيونية حتى، وهو مجبول بخطاب ديني عقائدي متطرف.

الشعب الفلسطيني الغائب أو المغيب

في كل التطورات الحاصلة مؤخرا يبدو أن الغائب الكبير هو الشعب الفلسطيني وتحديدا في الضفة الغربية، ولذلك عوامل موضوعية يمكن تفهمها، وأولها فقدان الثقة والأمل بالنخبة السياسية. الشعب الفلسطيني في الضفة اختار السكينة حاليا لكنه يدفع ثمن الاحتلال بشكل يومي، إما من خلال الاستيطان أو التنكيل اليومي من قوات الاحتلال في الحواجز والاقتحامات والاعتقالات.

لكن يتوقع من الشعب في الضفة الغربية، وأتجنب قول الشارع، عدم الاستكانة لأنه مهما حاولت السلطة الفلسطينية التحرك دوليا لمواجهة الاستيطان، فإن ذلك يبقى حبرا على ورق طالما لم يكن ذلك مسنودا بتحركات شعبية.

وستبقى المؤسسة السياسية الفلسطينية، سواء في الضفة أو في القطاع، تتلكأ في إنهاء الانقسام طالما بقي الشعب منشغلا وغارقا حتى أذنيه بقضاياه المعيشية والاقتصادية. ففي غزة، أنهك الحصار الغزيين اقتصاديا، وفي الضفة أغرق الاقتصاد النيو ليبرالي المتطرف الفلسطينيين في هموم اقتصادية وديون مالية صار فيها هم المواطن تسديد القروض والدفعات الشهرية. وليس من المصادفة أن يقترح بينيت 'خطة مارشال' للفلسطينيين، فهي لا تخدم فقط هدفه وهو الانفصال عن الفلسطينيين بحيث لا يضطرون للعمل داخل إسرائيل، بل يهدف أيضا إلى جعل الهم الاقتصادي بديلا للهم الوطني.

قد يدعي البعض أن المدخل لإنهاء حالة الاستكانة هو إنهاء الانقسام، هذا صحيح، ولكن الاستكانة أيضا تسمح لأطراف الانقسام الإبقاء عليه طالما يستمر في خدمة مصالحها الفئوية.

يجري هجوم شرس على ما تبقى من أرض، ومشاريع المستوطنين بينة وواضحة، فيما المؤسسة السياسية الفلسطينية عاجزة وتعول على التحركات الدولية محدودة الضمان والمفعول. الشعب الفلسطيني وحده، وتحديدا في الضفة، بمقدوره كسر هذه المعادلة، بكسر حالة الاستكانة والضغط الحقيقي لإنهاء الانقسام، لأن إخلاء 'عمونا' وقانون التسوية لا يشكلان مرحلة فارقة فقط بالنسبة 'للديمقراطية الإسرائيلية' والمحكمة العليا، بل مرحلة فارقة أيضا بالنسبة للفلسطيني، بأن إسرائيل في حل من ضريبة الحديث عن السلام وحل الدولتين، وأن وهم الرخاء الاقتصادي لن يستمر طالما 'أسياد' الضفة الغربية هم المستوطنون.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة