الأرض والتعليم ولعبة المجالس العائلية والطائفية

الأرض والتعليم ولعبة المجالس العائلية والطائفية

سليمان أبو إرشيد

 لا حاجة لأن يكون المرء 'عبقري زمانه' أو صادق جلال العظم ليكتشف بنفسه أسباب هزائمنا ونكساتنا ونكباتنا، فكيف ما تلفتنا نجدها من حولنا، فهي تتراكم مع تراكم أكوام القمامة على مداخل قرانا ومدننا وطبقة التراب والنفايات التي تعتلي شوارعنا، ونجدها في الإهمال والفساد الذي يضرب مؤسساتنا ومجالسنا ومدارسنا، في سلوك المواربة والنفاق، في المحابة والمحسوبية وتملق أصحاب السطوة والسكوت على الغلط، في خوفنا في عجزنا وفي أصوات إطلاق النار التي تقطع سكينة ليالينا، وفي أغاني 'البوب' المنبعثة من مكبرات صوت السيارات تجوب شوارعنا وفي ضجيج التركترونات و'فرك' العجلات ونراها بلون دم شبابنا النازف يوميا رميا وطعنا وطيشا في الشجارات وحوادث الطرق.

إنها عوامل تعكس حالة الإنسان العربي وترسم ملامح شخصيته وبالتالي قدرته على الصمود في الصراع الحضاري مع الآخر، بأبعاده السياسية والاجتماعية الاقتصادية وحتى العسكرية، وبدون شك فإن هذه المعطيات تضعنا في وضع أدنى أمام أعدائنا.

واستنادا إلى مقولة 'في المعركة كما في المعركة'، يجب توجيه كل السهام باتجاه العدو وحشد كل الطاقات لمجابهته، لكن لا ضير أن نلتفت بين معركة وأخرى إلى الخلف، نحو جبهتنا الداخلية، بغية إحصاء الخسائر وتفحص مواضع الخلل وإصلاحها وإعادة تنظيم الصفوف، لأن تعليق أسباب الفشل كلها على جبروت العدو وقدرته الخارقة لن يمكننا من تجاوز العثرات والانطلاق نحو سكة الانتصار القادم.

وفي الصراع على الأرض والوجود الذي يتخذ عدة أوجه بينها التصدي لسياسة الهدم والمصادرة وانتزاع حقنا في التمدد والتطور على أرضنا وفي حيزنا الجغرافي، في هذا الصراع يجب توفير الأدوات المناسبة وتكاملها، حيث لا يقل التدبير والتخطيط الهندسي والاستراتيجي أهمية عن المظاهرة والإضراب وغيرها من أشكال التصدي، وفي بعض الحالات قد يغني عن المظاهرة والإضراب، ويخطر لي في هذا السياق ما قاله مخطط المدن، بروفيسور يوسف جبارين، إنه كان قد قدم بنفسه 'مخطط أساس' للمنطقة التي هدمت فيها مؤخرا البيوت الـ11 في قلنسوة عام 2000، مشيرا إلى أن فترة 17 سنة كانت يجب أن تكون كافية لإدخال هذه المنطقة إلى مسطح القرية وترخيص بيوتها لو جرى العمل كما يجب في هذا المجال.

جبارين وجه في مقابلة مع 'عرب48' إصبع الاتهام إلى رؤساء السلطات المحلية العرب، الذين فشلوا، كما قال، فشلا ذريعا في مجالي التخطيط والتشغيل، وهو فشل يظهر جليا في غياب تخصيص أراض لأغراض عامة مثل المدارس والشوارع والمراكز الثقافية، وأراض لأماكن العمل والتشغيل، ونوه إلى أن المخططات التي قدمت خلال العشرين عاما الأخيرة مضرة وخطيرة، محذرا من أن 'البلدات العربية ستتحول إلى 'غيتوات' بعد 15 إلى 20 عاما، بفعل تخطيط حكومات إسرائيل المتعاقبة وانعدام التخطيط المهني الصحيح في السلطات المحلية العربية.

ولا يقتصر الثمن الذي ندفعه بسبب فشل السلطات المحلية وفسادها في بعض الأحيان، على مجال التخطيط والبناء بل ينسحب على جميع المجالات كالتعليم والبيئة والصحة والخدمات الاجتماعية والبنى التحتية وغيرها من المجالات الحيوية، علما أن التخطيط والبناء والتعليم يبقيا أهم تلك المجالات لما لهما من ثقل استراتيجي على حضورنا الوطني في هذه البلاد.

فالتعليم العربي عانى ويعاني الويلات من إخفاق وفساد تلك السلطات التي ينتخب الغالبية المطلقة من رؤسائها وأعضائها على أساس عائلي وطائفي، في حين تعقد الصفقات الانتخابية على ظهور المدارس والطلاب ومستقبل التعليم الذي لا يكفيه ما يعانيه من تمييز وإهمال وتدخلات 'شاباكية' من قبل السلطة المركزية.

وعودة على بدء فإنه قد آن الأوان للنبش على جذر مشكلاتنا وقضايانا ومعالجتها، وعدم الاكتفاء بتعليق جميع قضايانا على شماعة السلطة التي نعرف أنها مؤسسة عنصرية كولونيالية تسعى إلى محاصرة وجودنا على أرضنا وتحويلنا إلى حطابين وسقاة ماء. لا يعقل أن يبقي مستقبل أرضنا وأولادنا رهن لعبة عائلية وطائفية ومصلحية، وفقط عندما تقع 'الفأس في الرأس' نتباكى على الأرض المصادرة والبيوت المهدومة والأجيال الضائعة.

لقد بيعت غالبية مدارسنا الثانوية والإعدادية لشبكات تجارية بسبب سوء إدارة المجالس وأقسام التعليم التابعة لها، فيما تظهر نتائج الامتحانات الدولية تفاقم كبير في تردي تحصيل المدارس العربية الابتدائية والإعدادية وتعمق الفجوة بيننا وبين المدارس اليهودية بشكل خطير.

وفي مجال التخطيط والبناء، فبالإضافة إلى وصول مناطق نفوذ المجالس الإقليمية إلى تخوم مناطق البناء العربية وسيطرتها على أراض سهلية ووعرية عربية خاصة، فإن توسيع مسطحات البناء يتم وفق رغبات المؤسسة ومخططاتها التي تسعى إلى حشرنا في طوابق سكنية ذات كثافة عالية في إطار تحويل قرانا ومدننا إلى غيتوات.

ومع كل التقدير للنضال الذي تخوضه القيادة السياسية المتمثلة بالأحزاب ولجنة المتابعة، فإنه يبقى ناقصا إذا لم يستتبع بمخططات لاحقة وسابقة كفيلة بإيجاد حلول محلية وقطرية للبيوت المهددة بالهدم عبر توسيع مسطحات البناء ومناطق النفوذ.

آن الأوان لتأخذ القيادة السياسية الأمور لأيديها وأن تتحالف الأحزاب مع بعضها البعض ضد القوى العائلية والطائفية لا أن تتحالف مع العائلية والطائفية ضد بعضها البعض، لأن الحفاظ على الموارد الاستراتيجية مثل الأرض والتعليم هو مسألة وجود. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018