محاصرون 5 مرات

محاصرون 5 مرات

سامي العلي

تعاني قرية جسر الزرقاء، الصامدة على ساحل فلسطين، حصارات عديدة لا تقتصر على الحصار الجغرافي فقط، إذ يمتد الحصار لمستويات ومجالات أخرى تصل حتى الحصار المعنوي والنفسي.

أولًا، الحصار الجغرافي الفظ، والذي يتجلى على أرض الواقع بالحواجز المادية، من جدار عنصري يفصل بين قرية الفقراء وبين مدينة الأثرياء قيساريا، في الجهة الجنوبية، وشارع رئيسي سريع يحدها من الشرق، ومحمية طبيعية ومستوطنة سدت امتدادها من الشمال، وشاطئ بحر  بملامح طبيعية من الغرب، وهو الحاجز الطبيعي الوحيد الذي نقبله بكل حب، حيث تحول لجزء من هويتنا وموروثنا الثقافي وحيّزنا المكاني.

وتسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تشديد قبضة الحصار من خلال مخططات خنق وتضييق وتهويد، بدءًا بالخارطة الهيكلية المقترحة ومرورا بمخطط 'غرب الجسر' وانتهاء بمخطط تحويل شاطئ البحر لمحمية طبيعية. وتسارع مؤسسات الدولة في التصديق عليها بذريعة تصحيح الغبن وحل الضائقة السكنية والاقتصادية، علما أنها مخططات مفروضة علينا، لا تلبي احتياجاتنا البتة، بل تُخلد الوضع القائم. ولا بد أن أشير إلى أن جسر الزرقاء شهدت منذ العام 1924 مصادرات عديدة لأراضيها التاريخية، حيث نهبت السلطات 12 ألف دونم وحاصرت أهل القرية في بقعة بمساحة 1566 دونما فقط.

ثانيًا، الحصار الاجتماعي، إذ يعاني أهلنا عقود وضعا اجتماعيا مترديا وإقصاء وتهميشا من قبل المجتمع الإسرائيلي، تهميش تغذيه الأفكار المسبقة والصورة الدونية السلبية التي رسمها الإعلام العبري والحكومة.

كما عانت القرية سنوات إقصاءٍ من قبل المجتمع العربي، فلم يكن أي حركة تواصل اجتماعي وتعاون بين أبناء القرية وبين أبناء شعبنا في البلدات المختلفة، كتلك التي نشهدها بين أفراد مجتمعنا في المثلث والجليل وغيره. وساهمت في هذا الإقصاء الصورة الدونية والبعد الجغرافي للقرية عن التركيز السكاني للعرب في المثلث والجليل، ولكن خفت حدة الإقصاء العربي لجسر الزرقاء في السنوات الأخيرة.

ثالثا، الحصار الاقتصادي، ويتمثل بوضع مادي صعب وخانق للغاية وفقر قاس، حيث تعيش 80% من العائلات تحت خط الفقر، وتفتقر القرية لمناطق صناعية وتجارية بفعل السياسة الحكومية العنصرية.

البية السكان عمال وكادحات يناضلون من أجل العيش الكريم، بأجور زهيدة، انعدام طبقة قوية اقتصاديا وغياب المستثمرين العرب رغم المقومات السياحية والتجارية التي تمتاز بها القرية بفعل موقعها الإستراتيجي والطبيعي، فضلا عن قلة الإمكانيات الذاتية للسلطة والمواطنين، والتي تحول دون إقامة المشاريع التجارية والمبادرات الاقتصادية والسياحية الصغيرة.

رابعًا، الحصار السياسي، حيث لا تتورع الحكومة الإسرائيلية في تطبيق مخططات وبرامج تدجين وقمع أي حراك سياسي وشعبي ووطني في القرية، في سبيل ما تسميه 'تصحيح الخطأ التاريخي' المتمثل في إبقاء قرية جسر الزرقاء على شاطئ البحر عام 1948. وتطول القائمة في هذا السياق ومنها؛ الملاحقة السياسية للشباب الفاعل وللحركات الشعبية والسياسية، عزل القرية عن المجتمع العربي ونضاله الوطني، تغييب الأمن الشخصي والعام من خلال التخاذل العمد في محاربة الجريمة والعنف وغض الطرف عن انتشار السلاح بين أيدي الشباب، وتفشي السموم والمخدرات في ظل غياب مكافحة مهنية وجدية، ودق الأسافين لتعم الفوضى والتوتر، وينهمك المواطن في حماية أولاده وبناته وبيته وتأمين لقمة عيشه، ولا يجد وقتا للتفكير في العمل الشعبي والاجتماعي والسياسي لتغيير الحال.

خامسًا، الحصار النفسي/ المعنوي، والذي نتج بسبب الوضع الكارثي الذي يعيشه أهل جسر الزرقاء وسياسة التمييز والخنق. فقدت الأجيال مع السنوات أمل التغيير وخفت بداخلها نور التفاؤل وساد الشعور بالإحباط والتشاؤم وتضاءلت في الوعي واللاوعي إمكانية وقدرة فك الحصار وحصول نهضة عمرانية وثقافية وتربوية واقتصادية. كما تعزز لدى المواطنين الشعور بالدونية والصورة الذاتية السلبية، التي أثرت على الثقة بالنفس والإيمان بقدرتهم على تحسين الوضع وإنهاء الظلم.

ختامًا، إن كسر الحصار يعني توسيع القرية وضم أراض جديدة للبناء والتطوير الاقتصادي والتجاري والسياحي وتخصيص ميزانيات وموارد وتحسين التربية والتعليم والاستثمار في الإنسان قبل البنيان من جهة، وإنهاء الإقصاء والتهميش الاجتماعي والإجحاف السلطوي ومواجهة سياسة التمييز والفصل العنصري ومخططات التهويد واقتلاع الوجود ومحو الحيز العام الفلسطيني على الساحل من جهة أخرى.
إن الواقع لن يتغير وكسر الحصار لن يتم، طالما نفتقر لإستراتيجية نضال مهنية وسياسية وشعبية ممنهجة وهادفة، تشمل توحيد الجهود، من سلطة محلية وحركات جسراوية فاعلة وناشطين وجمعيات محلية وأهالٍ، لجانب تجنيد الهيئات التمثيلية الوطنية، من لجنتي المتابعة والقطرية وجمعيات أهلية وحقوقية، لأن حماية وجود جسر الزرقاء آخر قرى فلسطين الساحلية واجب وطني. ضرورة المرحلة تستوجب نضالا وحدويا لكسر الحصار، وتستجدي اهتماما وتماثلا من قياداتنا ومجتمعنا وإعلامنا ومؤسساتنا الوطنية، فقد حان الوقت لوضع جسر الزرقاء على طاولة لجنة المتابعة العليا بقوة، وعدم ترك البصمة الفلسطينية الصامدة والباقية، وحيدة على شاطئ البحر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018