أسباب الحرب المقبلة قائمة

أسباب الحرب المقبلة قائمة

رامي منصور

200 صفحة سمح بنشرها من تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي، أمس الثلاثاء، تؤكد أمرًا أساسيًا: الحرب على غزة كان بالإمكان تفاديها، لولا الوحشية الإسرائيلية والتواطؤ العربي، وأسباب الحرب المقبلة ما زالت قائمة، فالتواطؤ قائم وكذلك آلة القتل. هذا الاستنتاج ليس لمراقب الدولة الإسرائيلي، بل لمن يقرأ التقرير من وجهة نظر فلسطينية أو إنسانية حتى.

ورغم إجماع المحللين الإسرائيليين على أن تقرير مراقب الدولة بشأن العدوان على غزة لم يأت بالجديد، وأنه انتقد الأدوات والأداء، ولم ينتقد الأهداف، إلا أنه تجاهل بشكل غير إنساني أكثر من 2200 ضحية فلسطينية سقطت في القصف الوحشي الإسرائيلي، دون مبرر ودون سبب سوى أنهم فلسطينيون وعرب.

يتبيّن لمن يطلع على تقرير المراقب أن المأساة الإنسانية الطويلة في غزة لا تهم أو تعني أحدا في المؤسسة الإسرائيلية، وحتى الجيش الذي حذر من أن الأوضاع الإنسانية المتدنية قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع في غزة، فإن دافعه كان أمنيا فقط ولم يمنع الحرب. ويشير التقرير إلى أنه طيلة 16 شهرًا منذ تشكيل حكومة نتنياهو الثالثة في شهر آذار/ مارس 2013 وحتى اندلاع الحرب في تموز/ يوليو 2016 لم يجر أي نقاش حول الخيارات السياسية في غزة المحاصرة، ونوقشت فقط القضايا العسكرية، وذلك على الرغم من تحذيرات ما يسمى منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية من أن الأوضاع الإنسانية في غزة تتدهور بشكل مستمر نتيجة الحصار المتواصل، وأن الأوضاع آيلة للانفجار وتدفع حركة حماس لفتح مواجهة مع إسرائيل، إلا أن الحكومة تعاملت طيلة الشهور التي سبقت الحرب بلا مبالاة مع مصير غزة الإنساني، بل إن وزير الخارجية حينها، أفيغدور ليبرمان، هاجم الأمم المتحدة ومبعوثها روبرت سيري، ورفض تحويل رواتب موظفي السلطة إلى القطاع من قطر.

كانت الحرب الأخيرة على غزة، والتي استمرت خمسين يومًا، انتقامية، وبعد أسابيع من مقتل ثلاثة فتية مستوطنين قرب الخليل، ولم يكن هناك أي خطر أمني داهم من القطاع تجاه إسرائيل. ولا يمكن تجاهل حقيقة أن الحصار المصري والتواطؤ الرسمي الفلسطيني تجاه غزة شجّع إسرائيل الاستمرار في تجاهل الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة. واستمرار الحرب مدة خمسين يومًا يوحي وكأن هناك أطرافا عربية كانت تنتظر أن تقوم إسرائيل بالتخلص من حماس، على الرغم من أن الحرب الإسرائيلية لم يكن من بين أهدافها القضاء على حماس إطلاقا، وإنما إضعافها.

تؤكد أقوال وزير الأمن الإسرائيلي حينها، موشي يعالون، بعد يومين من اندلاع الحرب بأنه كان بالإمكان تفادي الحرب لو سعت إسرائيل إلى تخفيف المعاناة الإنسانية في غزة، أنه: أولا الحصار فشل في تحقيق أهدافه الأمنية المزعومة، أي أن المقاومة الفلسطينية طورت قدراتها القتالية الهجومية وليس الدفاعية فحسب؛ وثانيا، أن دوافع الحصار ليست أمنية بل انتقامية عقابية وسياسية؛ وثالثا، أن إسرائيل لا تملك أي خيار أو رؤية أو تصور إستراتيجي للعلاقات مع الفلسطينيين، سواء بالضفة الغربية أو غزة، سوى الخيار العسكري الوحشي.

كما يؤكد التقرير أن مشكلة إسرائيل في غزة ليست مع المقاومة فقط، بل إنها تتعامل معها كساحة خلفية غير جديرة بالاهتمام، وإذا ثارت نتيجة معاناتها فإنه سيجري قصفها بوحشية وقتل الآلاف.

أسباب الحرب المقبلة قائمة، لأن الحصار مستمر والأزمة الإنسانية تتفاقم يوما بعد يوم رغم تخفيف الحصار المصري شكليا، ولأن تواطؤ ذوي القربة على الفلسطينيين في غزة يستمر، ولأن آلة القتل الإسرائيلية هي صاحبة القول الفصل في التعامل الفلسطينيين، ولأن غزة صارت ساحة لتجربة تقنيات عسكرية وأسلحة إسرائيلية جديدة.

أخيرًا، ملفت للانتباه في التقرير أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تبدأ في اليوم التالي لاندلاع أي حرب ببناء ما يسمى 'منظومة إنهاء الحرب'، ورغم أنها لم تنجح في الحروب الأخيرة على غزة ولبنان في إنهاء الحرب خلال فترة قصيرة، لكن ذلك يعطيها المجال للمناورة السياسية الدبلوماسية والمبادرة في الحرب، فهل لدى الطرف المقابل في غزة منظومة من هذا القبيل، تعطيها أفضلية المبادرة المناورة السياسية حتى لا تبقى غزة ساحة لتفريغ الوحشية الإسرائيلية؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018