السياسة تحاول خصي الثقافة

السياسة تحاول خصي الثقافة

سهيل كيوان

حجبت وزارة الثقافة الإسرائيلية، ميري ريغيف، الميزانية السنوية المخصصة لمسرح "الميدان" في حيفا. وحجّة الوزيرة ريغيف كانت في السابق عرض "الميدان" مسرحية "الزمن الموازي" من تأليف السجين السياسي وليد دقة، وهذه المرة تتذرع بحجج إجرائية.

سعى رجال الحكم والسياسة منذ فجر التاريخ إلى تدجين المثقفين واحتوائهم، جرى ذلك من خلال منح المثقف مصدر معيشة ثابت أو منحة لمرة واحدة قد تتكرر. وعند العرب كانت قصائد المديح مصدر ترزق لدى كبار الشعراء، بل كان خطباء العرب يذهبون إلى كسرى ملك الفرس فيمتدحون صفاته في بلاطه وينتظرون منه الجائزة، حتى المتنبي كان يمدح لأجل المنحة والجائزة وهجا كافور لحجب الجائزة عنه، ودائما خشي رجال الحكم الثقافة الناقدة المعترضة.

ولهذا اهتم الحكام بتدجين المثقفين من خلال التكريمات مقابل الصمت والتغاضي عن أعمال الحاكم أو مدحها من خلال مديح الحاكم ومبايعته، وخصصت جوائز أدبية باسم دكتاتوريين كبار، وعرف العالم العربي مثل هذه الجوائز مثل جائزة القذافي العالمية للآداب وجوائز للمثقفين مقدمة من الرئيس صدام حسين، وأقيمت مؤسسات ثقافية باسم الأسد، وأطلقت جوائز على أسماء أمراء وملوك وشيوخ خليجيين، وارتبطت الجوائز في مصر بالتقرب من السلطة والسكوت عن ممارسات الحكام، واضطر مثقفون مصريون كبار على امتداح السادات وسياسته خشية غضبه، وتقرّب كثيرون من حسني مبارك الذي سعى لاحتوائهم، أما في زمن السيسي فقد مُنحت فيفي عبده لقب الأم المثالية.

في إسرائيل لا يوجد ملك ولا دكتاتور بالمعنى التقليدي للدكتاتورية، ورغم ذلك تحاول وزارة الثقافة احتواء المثقفين وتجييرهم لصالح المشروع الصهيوني الكبير وتعزل الأدب والفن المناوئ للسلطة، فإما أن يخدم المثقف الأيديولوجيا الصهيونية أو يبتعد عن السياسة، ويتم تشجيع المؤيدين مباشرة أو بصمتهم من خلال دعمهم بتغطيات إعلامية واسعة وجوائز، فيما يجري التقليل من شأن الأدب والفن المعارض للفكر والممارسات الصهيونية ومن شأن صاحبه بادعاء أنها مواضيع مستهلكة أو مباشرة أو تحرض على العنف أو لا تخدم التعايش.

مسرح "الميدان" قدم الكثير من الأعمال من تأليف محلي، وكذلك مسرحيات كلاسيكية عالمية وعربية، وهو رافد ثقافي كبير لسكان حيفا العرب خاصة وللجماهير العربية عموما، وهو مسرح ثابت وليس متنقلا من بلد إلى آخر، وهذا بطبيعة الأمر يحتاج إلى قاعة ومبنى وموظفين وإلى ميزانيات من وزارة الثقافة، وذلك أن أي مسرح في البلاد لا يستطيع أن يعيل نفسه من إيراداته الخاصة.

ليس من حق وزيرة الثقافة حجب الميزانيات أولا، لأن الفن ليس ملتزما برؤية الوزيرة أو أي مواطن آخر، ومن حقه أن يعرض ما يشاء ما دام أنه ليس داعيًا للعنصرية والعنف. وثانيا هذه الميزانية حق وليست منة، فهي من جيوب المواطنين وليست من هذه الحكومة أو تلك، من حق المواطنين العرب أن يكون لهم مسرحهم الذي يعبّر عنهم وعن ثقافتهم وواقعهم، فهم يدفعون أموالا طائلة كضرائب للدولة تبلغ  مليارات الشواقل  سنويا.                        

وزيرة الثقافة تشارك في حكومة هي الأكثر تطرفا منذ قيام إسرائيل، وترى بكل كلمة مقاومة للاحتلال والتعسف والهدم والتهجير تطرفًا، بل أنها تضع في إستراتيجيتها حلولا إجرامية لما تسميه المسألة الديموغرافية، فما علاقة ريغيف بالثقافة!

المسرحية التي تتحدث عنها الوزيرة من تأليف الأسير السياسي وليد دقة، ليس فيها تحريض على العنف ولا على العنصرية، مسرحية وليد دقة تحدثت عن أسير معزول عن العالم الخارجي لسنين طويلة، يتمكن بإرادته وإصراره وبقوة الحب للحياة ولفتاة يحبها وتحبه من تهريب قطع صغيرة من الخشب بأدوات يستنبطها بصبر شديد في سجنه ليبني عودًا يعزف عليه. الفكرة تحكي عن قوة إرادة الإنسان وإصراره على الفرح والإبداع رغم الظروف القاتلة التي يعيشها.

العداء لمسرح "الميدان" يأتي في سياق معاداة حق الجماهير العربية بثقافة ولغة وتراث يميّزها عن السياق الثقافي الإسرائيلي، الذي يحاول نظام الأبرتهايد العنصري فرضه  محليا وعالميا.

إنها محاولة أخرى لتدجين المثقفين والفنانين العرب وعزلهم عن هموم شعبهم ورشوتهم بالميزانيات أو إسكاتهم أو تزييف صوتهم، من خلال التحكم بلقمة عيشهم والضغط عليهم لإنتاج ثقافة مشوهة وغير حقيقية. وزيرة الثقافة تريد القول إن من لا يتفق معنا فعليه أن يسكت أو يتغابى على الأقل وإلا سوف نحرمه.

ميري ريغيف وحكومتها ووزارتها تريد من المثقف العربي أن يكون ورقة توت تغطي بها جرائمها بحق الأرض والإنسان الفلسطيني، وإلا فهو ليس مثقفا بل قد يتهم بدعم الإرهاب والعنف والعنصرية.

كلنا مع مسرح "الميدان" ومع مؤسساتنا الثقافية الوطنية ومع مثقفينا، ومع كل الذين يحملون هموم شعبنا ويصرّون على التغريد بالحقيقة من دون مواربة، وعلى كل مثقف واجب رفض الإبتزاز والتدجين ومقاومته والوقوف مع الحقيقة والتحيز لها وإبرازها والتمسك بها، وإلا فقد الصفة التي تجعله جديرًا بتسميته مثقفا.