القتل بالخطأ لا يعفي المجرمين

القتل بالخطأ لا يعفي المجرمين

سهيل كيوان

القتل بالخطأ أو الإهمال جريمة، وإن كانت عقوبتها أقل من جريمة القتل المتعمد، إلا أنها تبقى جريمة ولا يصبح فاعلها بريئا لمجرد اعترافه بوقوع الخطأ أو الإهمال.

قد تكون الإماتة نتيجة إهمال طبي أو نتيجة قيادة سيارة تحت تأثير الكحول، وقد تكون نتيجة عدم أخذ الحذر والحيطة ووسائل الوقاية في العمل، ولكن أن تستهدف تاجر سلاح أو مخدرات بالرصاص ثم يتبين أنك قتلت الشخص الخطأ، فهذا قتل متعمد حتى وإن كان القتيل عابر سبيل غير مستهدف.

القتل غير المتعمد يحدث من دون نية مسبقة على القتل، ينشأ نتيجة تفاعل اللحظة ذاتها، وعلى القاتل إثبات أنه لم يكن أمامه خيار ولم يستطع التملص أو الهرب من المواجهة، وأن أداة القتل وجدت صدفة في المكان، هذا يخفف من الحكم عليه ولكن لا يبرئه من جريمة القتل.

أميركا قتلت في الموصل قبل أيام قليلة 300 مواطن "بالخطأ"، ويقال إنهم حوالي 500 مدني عراقي، فبعضهم ما زال تحت الأنقاض. اعترفت ثم استأنفت عمليات القتل التي يمارسها ما يسمى التحالف ضد الإرهاب. 300 روح بينهم عشرات الأطفال هو أمر ممكن تجاوزه بنظر العالم، وذلك أن الضحايا من العرب. هكذا وكأن حق الناس قد وصلهم بمجرد أن اعترفت أميركا بالخطأ. ولكن هذا الخطأ، ليس يتيماً ولا حالة نادرة، فهو يتكرر يومياً، وكأن الحرب على ما يسمونه الإرهاب تجيز قتل المدنيين العرب والمسلمين.

تاريخ قتل العرب بالخطأ ليس جديداً؛ في ملجأ العامرية في العراق في شباط/ آذار العام 1991  قُتل 408 من المدنيين من بينهم أكثر من 60 رضيعًا وحوالي 200 امرأة قتلوا حرقا بقذائف أميركية، تبيّن أن الهدف كان تجربة صواريخ ذكية لاختراق الملاجئ الحصينة.  

هل تختلف هذه الغارات المستهترة بحياة المدنيين في جوهرها عن أعمال القتل التي يقوم بها انتحاريو "داعش" والنصرة والقاعدة وغيرهم بين المدنيين!  

"الأخطاء" نفسها وأكثر منها فحشاً ترتكب في المدن السورية على يد طائرات التحالف مع النظام على أشكالها وألوانها، فهي تقتل وتدمر وتعلن عن قتل عشرات الإرهابيين، ثم يتضح أن من بين عشرات الإرهابيين عشرات ومئات المدنيين وحتى الأطفال. في سورية قتلت الطائرات الروسية لوحدها حوالي 4 آلاف من المدنيين السوريين منذ تدخلها متفوقة بهذا على تنظيم "داعش" بقتل المدنيين حسب إحصاءات منظمات حقوقية، بحيث وصل ضحايا "داعش" من المدنيين إلى 3 آلاف قتيل في الفترة نفسها. ولكن من المفارقات أن النظام السوري قدم شكوى ضد قوات التحالف في سورية لقتلها 33 طفلاً في غارة على إحدى المدارس في ريف الرقة الغربي خلال الشهر الماضي، وذلك أن التحالف الدولي بقيادة أميركا لا ينسق العمليات مع النظام، أما لو كان منسقاً مثل الروس لتم تجاوز الأمر باعتباره خطأ. 

إسرائيل صاحبة خبرة طويلة الأمد في القتل "الخطأ". لن نعود الآن إلى تاريخ النكبة وما تلاها فهو يحتاج إلى مجلدات. نذكر فقط أنه خلال حرب الاستنزاف مع مصر، أغارت طائرات إسرائيل في العام 1970 على مصانع أبو زعبل، فقتلت حوالي 70 عاملا وجرحت المئات ودمرت المصنع، وفي العام نفسه أغارت على مدرسة بحر البقر فقتلت 30 طالبًا ابتدائيًا وجرحت العشرات ودمرت المدرسة، وكان هذا بمثابة ضغط على مصر لقبول وقف إطلاق النار.  

في شباط/ فبراير من العام 1973 أسقطت المقاتلات الإسرائيلية طائرة مدنية ليبية ضلت مسارها فوق سيناء بسبب عاصفة رملية، وعلى متنها 104 من الحجاج المدنيين إضافة إلى طاقم الطائرة. 

في لبنان العام 1978 قصفت مسجداً في قرية العباسية فقتلت أكثر من 112 مدنياً معظمهم من النساء والأطفال.

مجزرة قانا الأولى في العام 1995 التي سميت "عناقيد الغضب"، قتلت إسرائيل 105 من المدنيين بينهم 33 طفلاً كانوا قد لجأوا إلى مبنى تابع للأمم المتحدة، ظنا منهم أن علم الأمم المتحدة سيردع إسرائيل عن ارتكاب المجزرة. 

مجزرة قانا الثانية في العام 2006، قتل فيها أكثر من 60 مدنياً بينهم 22 طفلاً نتيجة القصف الإسرائيلي.

جرائم الصهيونية ضد المدنيين على يد الجنود أو المستوطنين لم تتوقف منذ قيام إسرائيل، وعلى كل الجبهات.

خلال العدوان الأخير على قطاع غزة في العام 2014 لوحده، قُتل أكثر من 2100 من المدنيين بينهم 530 طفلاً. هناك أسر كثيرة أبيدت، ويكاد لا يمر عام كم دون قتل للمدنيين، سواء كأفراد في أيام عادية أو مجموعات كبيرة خلال العدوان الواسع، سواء في قطاع غزة كل بضع سنوات أو اجتياح الضفة الغربية كما في الانتفاضة الثانية في العام 2002.

لا ننكر أن بعض العمليات التي قام بها فلسطينيون وعرب ومسلمون في فلسطين وفي العالم، استهدفت مدنيين كردات فعل يائسة بهدف ردع المجرمين الجالسين وراء أزرار قنابل وصواريخ الطن والنصف طن في الطائرات والبوارج الحربية، ولكنه خطأ من  الأخطاء التي ترتكبها الضحية في محاولتها ردع المعتدين القتلة.             

علاقة المدنيين العرب مع الطائرات والبوارج الحربية والقتل بالخطأ علاقة قديمة ومتجذرة، وعدد ضحايا الخطأ من العرب بقذائف التحالفات الأجنبية وبيد أنظمة العار العربية وعلى يد إسرائيل، تفوق مئات المرات أعداد المقتولين بيد مجموعات إرهاب مثل "داعش" و"القاعدة" و"النصرة" وغيرها، أما محاربة الإرهاب فهي الجيفة التي تجتمع حولها الضباع لنهش حقوق الشعوب العربية وتدميرها وحرمانها من حريتها، فما من سفاح ومجرم وعنصري وحاكم حقير إلا ويتذرع بمحاربة الإرهاب كوسيلة للتهرب من استحقاقات حقوق الشعوب بالعيش بكرامة وحرية.

أخيراً، حتى لو صدقنا أن هذه الجرائم بحق المدنيين ارتكبت بالخطأ، فهذا لا يعفي مرتكبها من المسؤولية ومن كونه مجرماً تجب محاسبته.