حتى لا تكون سمسرة بأطفال العرب...

حتى لا تكون سمسرة بأطفال العرب...

رامي منصور

كشفت مجزرة خان شيخون قبل أيام، حجم السقوط القيمي الذي وصلت إليه الساحة السياسية في الداخل. وكشفت أن مواقفنا الأخلاقية ليست ثابتة وكونية، ولكنها تتعلق بموقف أخلاقي ضد من ومع من، ومدى شعبية هذا الموقف في الحزب الذي أنتمي إليه. هذا اسمه سقوط أخلاقي ونفاق.

في البداية، كان 'المبرر الأخلاقي' أو  كانت الذريعة لدعم نظام بشار الأسد بأنه داعم للمقاومة، وأنه في حالة مواجهة مع إسرائيل. وكدنا نصدق هذا الادعاء. لكنّ أصحابه تنازلوا عنه مؤخرا طواعية، بعدما أصبح ليس ذا صلة بالواقع. فهذا النظام قُصف عدة مرات من قبل إسرائيل، ولم يفتح مواجهة معها على الرغم من أنه 'يستضيف' كل أنواع المليشيات الطائفية المحسوبة على 'محور المقاومة'.

في اليومين الأخيرين، وفي أعقاب المجزرة في خان شيخون، بدا أن حسّنا القِيَمي صار باهتًا أكثر، وتبنينا الدعاية الإسرائيلية بالهروب من إدانة القاتل والتمترس خلف الضحية بانتظار ظهور 'الحقيقة الكاملة'.

فمثلا النائب أيمن عودة، رفض إدانة النظام السوري وجرائمه، وتستر خلف أطفال اليمن وغزة، وقال إنه يدين كل قتل للأطفال سواءً في اليمن أو في غزة. هذا عمليا هروب للأمام، لأنه، ما المانع من إدانة النظام السعودي على جرائمه ضد أطفال اليمن، وفي الجملة ذاتها، إدانة نظام الأسد على جرائمه ضد أطفال سورية. وثانيا، ألا يعلم النائب عودة أن جماعة 'أنصار الله' (الحوثيين) يقتلون اليمنيين أيضا، بل يمارسون جرائم ضد الأطفال من خلال تجنيدهم للقتال في الحرب. ألا يعلم أن الموقف الأخلاقي هو أخلاقي وكوني حتى النهاية.

لا حاجة لدارسة فلسفة كانط لإدراك ذلك. إنها بديهية المضطهدين والديمقراطيين. وفي قرارة نفسه يعرف أيمن عودة السبب لسلوكه هذا. إدانة النظام السوري قد تكلفه سياسيا داخل حزبه، بينما إدانة النظام السعودي هو أسهل رياضة عربية اليوم، لن تمسه.

ينطبق هذا أيضا على النائب جمال زحالقة، الذي عرفناه دوما بمواقفه القيمية والأخلاقية وحسه الملتزم بألم الضحايا ومعاداته للطغيان. لكن نكتشف فجأة، بأنه يعمم فيديو قصيرا يطالب فيه بمعاقبة المجرمين المسؤولين عن مجزرة خان شيخون، دون أن يدين المجرم عمليا، وتهرّب من إدانة النظام بشكل واضح... أدان 'المجرمين' وطالب بتقديمهم للمحكمة، وكأنهم ضمير مستتر. ربما هو بانتظار تقرير من لجنة تحقيق من الجيش السوري، لتبيان حقيقة من ضرب الكيماوي. لا ندري ما السبب الذي يقود النائب زحالقة إلى التراجع عن مواقفه التي عرفناه بها. هل هي من أجل التوازنات الداخلية في حزبه؟ إذا كان الجواب نعم، فكان الأجدر به التزام الصمت وانتظار صدور موقف حزبه. وإذا كان الجواب لا، فنحن أكثر العارفين بأنه يدين النظام  ويعرف حقيقة من ارتكب المجازر في سورية، ليس في السنوات الست الأخيرة، وإنما طيلة عقود. وللمتسائلين هل استخدم الأسد الكيماوي أم لا، نقول إنه فعل أبشع من ذلك، إذ قتل عشرات الآلاف في السجون تحت التعذيب، وبأساليب لا تقل همجية ووحشية من قتل مئات بالسلاح الكيماوي. 

وأخيراً، حان الوقت لقول إن أكثر النواب صدقا وصراحةً كان النائب المغمور عبد الله أبو معروف (الجبهة). فهو قال بصراحة لإذاعة الجيش الإسرائيلي 'نعم... نحن نساند بشار الأسد.... الأسد يدافع عن وطنه وشعبه ودولته ووجوده'. هكذا قال 'يدافع عن وجوده'، وذكر اسم 'داعش' و'جبهة النصرة' أكثر مما ذكر المدنيين السوريين. لا يرى مدنيين، بل نظام يحارب ميلشيات طائفية. وإذا سألت النائب المغمور لماذا يساند الطاغية بشار الأسد، فيهرب إلى أطفال اليمن ويهاجم آل سعود، ويقول لأنه يحارب 'داعش' و'جبهة النصرة' و'الإرهابيين'.

لا يرى النائب المغمور سوى 'الإرهابيين' في سورية. نعم هذا موقف صاحب عقلية أقلياتية ممزوجة بستالينية استئصالية.  لكنه موقف طائفي كما نعلم، ويرى في بشار الأسد 'حاميًا للأقليات'، إذ لم يعرف النائب أبو معروف بأنه عروبي صنديد، بل من دعاة التعايش اليهودي – العربي، ورشح في الجبهة في 'خانة الدرزي'، أي وفق محاصصة طائفية 'تعكس أطياف مجتمعنا وشعبنا' كما اعتدنا أن نسمع التبريرات.

لكن، أكثر ما يغيظ، هو الهروب من سؤال إدانة النظام السوري إلى اليمن وغزة واستخدام الضحايا الأبرياء من أطفال وغير أطفال لتبرير العجز الأخلاقي. لم نعرف لدى النائب أيمن عودة أو النائب المغمور اهتماما كبيرا بالقضايا القومية العربية، ولم نعرف لهما في السابق مواقف مساندة للمقاومة ضد إسرائيل، سواءً في غزة أو لبنان، لكننا نعرف أنهما من أصحاب شعار 'العرب واليهود ليسوا أعداء'، وهو شعار سطحي يوازي بين الضحية والجلاد.

أما بخصوص النائب زحالقة، فقد حان الوقت أن يتدارك موقفه، فإذا كان حقًا ضد 'الهيمنة الأميركية – الصهيونية' على المنطقة العربية، فليكن بصف الشعوب العربية وحريتها ويدين الأنظمة التي تقتل شعبها، بالسر وبالعلن، وليتصرف كقائد سياسي وليس عضوا آخر في القائمة المشتركة أو التجمع. ولن يفشل الهيمنة الأميركية – الصهيونية سوى شعوبها العربية الحرة والديمقراطيين العرب الذين تحسب عليهم.

وفي العلوم السياسية والعلاقات الدولية، يتعلم الطلاب في سنتهم الأولى مصطلح 'ضوابط وتوازنات' في العلاقات بين الدول، لكن يبدو أن سياسينا سطحوه ليصبح 'انتهازية وتوازنات'.

نداء من أطفال اليمن وغزة، لا تستخدمونا دروعا بشرية للتغطية على مواقفكم المتخاذلة، وأجيبوا بصراحة: هل أنتم مع الطاغية في سورية أم لا؟ لا تقتلونا مرتين... لا تقتلونا مرتين.

لتسقط أنظمة الطغاة من المحيط إلى المحيط...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018