الأسرى والكلاسيكو، العنف و"القطيع الإلكتروني"

الأسرى والكلاسيكو، العنف و"القطيع الإلكتروني"

عبد الحكيم مفيد

نحتج عن عدم المشاركة والمساهمة في الأعمال ذات الطابع السياسي والوطني بالخصوصية وضيق الوقت. ولا يجيد أحد استعمال "خصوصيته" مثلنا، فهي جاهزة دائما لنقذفها في وجه من يطلب منا تفسيرا أو تفسيرات حول عدم المشاركة والمساهمة في أعمال، من المفروض أن تكون المشاركة بها طبيعية وعادية للغاية، ولا تحتاج إلى جهد "غير عادي".

 إضراب الأسرى مثلا، قضية الأسرى بالعموم قضية وطنية إنسانية وإجماعية، مفهومة ضمنا ولا تحتاج أاي جهد "إقناعي"، لكنها بالكاد تحظى بتفاعل شعبي كما يليق بها، كما يليق بالأسرى ومعناتهم، وهنا أقصد تحديدا المشاركة الشعبية، الجماهير.

تحظى القضية باهتمام إعلامي ورسمي، الجمل والصور والمعلومات تملأ شبكات التواصل، النشاط الرسمي للمؤسسات ذات الشأن أو المختصين في الشأن السياسي والوطني كذلك، لكن يبقى السؤال المهم، أين الجماهير؟

يلخص البعض في العادة "غياب الجماهير" بذات المقولات التقليدية، والكلام الذي صار سعره على شبكات التواصل لا يساوي أكثر من دعسة على حرف من حروف لوحة المفاتيح، لا يوجد قيادة، القيادة فشلت ويلحقها بالعادة بطلب متواضع، الأفضل أن يذهبوا إلى البيت ويستقيلوا وسلموا المفاتيح... إلى آخر المطالب.

وأكثر التفسيرات روعة تلك التي تؤكد أن "الجماهير زهقت الشعارات والتصريحات والجعجعة"، وكلها تقريبا لا تقول أي شيء عن الحالة، مقولة واحدة.

والجماهير التي لها "خصوصيات" و"ظروف خاصة"، والناس التي لديها من الهم ما يكفيها، هذه الفئة بالذات تختفي "خصوصياتها" مرة واحدة في أماكن وحالات أخرى، مرة واحدة، بل تصبح ملزمة بأداء "الواجب"، لا الوقت ولا المال يصبح عائقا، على العكس تمامًا، إضاعة الوقت والاستدانة تصبح مبررة لأن "الدنيا بدها هيك".

ليس مثل لعبة الكلاسيكو (واعذرونا) نموذجا على ما ذكرناه سالفا، فما تفعله ريال مدريد وبرشلونة من انفعالات لم تقدر عليه قضية مثل قضية الأسرى ولا سلاح كيماوي يبيد بشرًا ببساطة متناهية، ولا حاجة في الخوض في التفصيلات التي تحتاج إلى تفسيرات عميقة أكتر من مجرد الوقوف عند المظاهر الملازمة للعبة كرة قدم، ينطبق عليها المثل الشعبي الفلسطيني "العرس في المجيدل وأهل دبورية برقصوا".                       

لا مشكلة مع الرياضة أبدًا، المشكلة أن الحديث لا يدور عن رياضة، لا علاقة لما تلقى الرياضة من اهتمام بالرياضة نفسها، الرياضة شيء مختلف للغاية، وعلى الأغلب لا نمارسها.

عندما تصبح الرياضة أداة ضبط وإشغال، عندما تتحول إلى شكل من أشكال التعبير عن العنف وترافقها شتائم وإضاعة وقت، وعندما تصبح هوية انتماء لدى البعض، فإن دورها ينتهي كأداة ترويح عن النفس، والمدهش في المسألة أنها تحدث بعيدا عنا، حالة الانقسام والتوتر التي ترافق الحالة لا يمكن استيعابها أحيانا، ولا يمكن تفسيرها، غلا بكونها اداة للتنفيس والانشغال والابتعاد عن الهم الذاتي.                       

القطيع الالكتروني

لم يعد من الممكن الإفلات من قبضة عاملين باتا من أكثر العوامل تأثيرا على حياتنا، نحن عبيد في سوق استهلاك تضبطنا بحسب مصالحها وغاياتها، نحن أيضا جزء من "القطيع الالكتروني" الذي بني بإتقان عبر تقنيات الإعلام، شبكات التواصل والهواتف الذكية، كلاهما تحولا إلى أدوات الضبط الأكثر تأثيرا على حياتنا في العقدين الأخيرين، كلاهما يقرران اهتماماتنا، ماذا نأكل؟ ماذا نشرب؟ أين نشتري؟ ماذا نلبس؟ ماذا نستهلك بالعموم؟ ماذا نقرأ؟ ماذا نسمع؟ وبالتأكيد ماذا نشاهد.                       

وتضاف هذه إلى أدوات الضبط السياسي نعيشها كل لحظة، ومن الخطأ الفصل بين الاثنين، تضبطنا العولمة (السوق والإعلام) وتضبطنا الحالة السياسية، العلاقة بين الحالتين أقوى مما نعتقد، الفصل بين كلاهما يفضي إلى نتائج غير محمودة وتغييب العلاقة والتفاعل بين كلاهما هو من الأخطاء الكبيرة التي ترتكب في سياق المحاولات لفهم الحالة المجتمعية التي نشكو منها جميعا.

لم تعد الأدوات القديمة تنفع لتفسير ما يحدث، بإمكان كل شخص اعتبار الاهتمام الذي يصل إلى حد الجنون في مباراة كرة قدم تجري في مكان أبعد من أم الحيران والسجون الإسرائيلية وسورية مسألة ترفيه وترويح عن النفس لا علاقة، أو لا يجب أن يكون لها علاقة، بالحالة الاجتماعية والسياسية، لكن هذا لا يعفينا من قول الحقيقة.

الضبط عن بعد

تمتاز أدوات الضبط الحديثة  الأكثر تأثيرا (السوق والإعلام والجديد منه بشكل خاص)، بأنها تعمل عن بعد وتفرض وجودها  بشكل "لائق" دون أن تعطي شعورا بالإكراه، على العكس تمامًا، فهي تضفي حالة من "الاختيار" وتمنح أصحابها شعورا بالارتياح، التعبير عن الذات، المكانة، الحضور الاجتماعي، تدغدغ الشعور الفرداني وتوصله الذروة، تعطي شعورا وهميا بالاستقلالية وتعوض عن نقص اجتماعي أو اقتصادي بواسطة توفير إمكانيات أخرى مثل القروض وبطاقات الاعتماد، تمنح الشعور بالمعرفة ولعلها وهذا الأهم، تمسح الفوارق بين البشر، بين الغني والفقير، لأن الجميع يعيش في ذات البيئة التي توفر ذات المنتجات، المنتجات الصينية مثلا تقلص الفوارق بواسطة منتجات "شبيهة" لتلك التي لا يمكن اقتناءها بسبب السعر المرتفع.

قلة هم فقط الذين لا يسمحون للسوق التحكم بهم، قلة هم الذين يديرون حياتهم كما يرغبون وبحسب سلم أفضليات يحددونه هم. في سوق العولمة الذي قلص المسافة بين نيويورك وأي قرية نائية، تحتل الرموز (المنتجات ذائعه الصيت) مركز الحياة الفردية، الأفراد منشغلون باحتلال مكانتهم  في السوق أولا، التنافس هناك على أشده، الحضور الاجتماعي يكاد يكون محصورا على أسماء المنتجات التي بحوزة الافراد، المكانة الاجتماعية تكتسب من القدرة على التفاعل مع السوق، منتجاته، مناسباته، رموزه، أيقوناته، أحداثه المهمة، تسريحاته، الموضة (أو التريند بلغة السوق)، هذه الأمور تعيد إنتاج الأفراد والأسرة والمجتمعات، وعبر عملية ضخ إعلامي متواصل على مدار 24 ساعة بواسطة شبكات التواصل والدعاية عبر الهواتف "الذكية" يتم صياغة الوعي الفردي بعيدا عن الأسرة والمجتمع، وكلما ازدادت وتواصلت هذه العملية  يصبح من الصعب الوصول إلى الافراد، هكذا تتم عملية العزل الأسري والمجتمعي، فتصبح لعبة كرة قدم تجري بعيدا "أقرب" من أسرى يعانون في غياهب السجون ونمر عنهم كل يوم.                       

ليس آخر الكلام

تؤكد الفرضية السائدة أنه لا مجال للخلط بين السلوكية الاجتماعية وأختها السياسية، ذلك لأن كل واحدة منهما تنتج في حقل مختلف ولا يجوز تحميل الحالة ما لا تحتمله، الترفيه والاستهلاك والسوق مسألة مختلفة للغاية بحسب البعض، لا تتعارض ولا يمكن أن تتعارض مع السياسة.

الادعاء المركزي في هذا المقال، الذي افترض أنه محل خلاف، يبتغي إعادة البت في مسلمات سياسية بالأساس، ويطرح العلاقة بين السياسة ومشتقاتها كفعل لا ينفصل عن السوق، أنماط الاستهلاك التي تحولت إلى حالة دكتاتورية تفرض على المجتمعات قبولها بدون أن يكون لهم اي رأي بالمسألة والتي تدفع البشر والمجتمعات والأفراد إلى الانضمام إلى "قطيع" يعيش في عالم متخيل، تبيعه كل أشكال الوهم والحياة تفكك المجتمعات والأسرة بعد أن أطاحت بالدول، وتخلق حياة مليئة بالبلاهة والعبودية.                     

من التبعية إلى العبودية

أنهت الحقبة الاستعمارية الثانية التبعية بنجاح باهر، لا حاجة طبعا للحديث عن الشعوب التي سلمتها النخب الحاكمة والعميلة للمشروع الاستعماري طواعية وسلبتها كل ما تملك، الوطن والثروات والعقول والحضارة، وألحقتها بالكلية للاستعمار وظلت هي تراقب بالحديد والنار لتمنع أي إمكانية للنهوض.

انتهت مرحلة التبعية لتدشن العولمة منذ بداية التسعينات مرحلة جديدة، هي بلا أدنى شك أسوأ وأخطر المراحل التي مرت بها الشعوب العربية بشكل خاص، وهو ما يهمنا حاليا، مرحلة العبودية، العبودية للسوق والانضمام بشكل "طوعي" للـ"القطيع ال‘لكتروني".

وبخلاف مرحلة التبعية التي كان هناك من يحاربها علانية ويقف ضدها ويدفع الثمن لذلك، فإن مرحلة العبودية امتازت بدفاع مستميت من قبل بعض النخب التي حاربت التبعية، بل واعتبرتها "نعمة" مع أنها دمرت الدول والشعوب وحولتها إلى مزارع للشركات الاقتصادية العملاقة والمؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق البنك الدولي ومنظمات التجارة العالمية والأمم المتحدة، وهذه بدورها قامت بتفكيك الدول وأعادت بناءها كـ"عزبة عبيد" بالتعاون مع ذات النخب التي قادت عملية التبعية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018