أقول وقد ناحت بقربي حمامة...

أقول وقد ناحت بقربي حمامة...

سهيل كيوان

أدب السجون ليس صرعة جديدة، فهو قديم قِدم الأدب، ملايين من أبناء البشر قضوا سنين من أعمارهم وراء القضبان، ولكن قلائل منهم فقط من نجحوا بتوثيق تجربتهم مع عزلتهم، ومع السجان ورفاق السجن، وأقل من القليل من أبدعوا تجربتهم فنيا على شكل لوحات فنية أو كتابة أدبية راقية.

سُجن الحطيئة بسبب بذاءة لسانه فنطق شعرًا، وجعل سجّانه عمر بن الخطاب يبكي ويطلق سراحه عندما قال مسترحمًا: "ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ

زغب الحواصل لا ماء ولا شجر

غيّبت كاسبهم  في قعر مظلمة

فاصفح سلام الله عليك يا عمر".

وقال أبو فراس الحمداني أبياتا خالدة وهو سجين في القسطنطينية:

"أقول وقد ناحت بقربي حمامة

ألا يا جارتا لو تشعرين بحالي.

أيضحك مأسور وتبكي طليقة

ويسكت محزون ويندب سال". 

معظم أدب السجون سياسي، لأن السجناء السياسيين أكثر وعيًا وثقافة من السجناء الجنائيين، وذلك أن سبب سجنهم بالأصل هي قضايا آمنوا بها وعملوا لأجلها، وقد تكون مقاومة احتلال أو كفاحًا ضد الظلم والاستبداد ولأجل العدل.

بعض هؤلاء السجناء كتبوا شعرًا وقصصًا ومذكرات ومسرحيات وروايات، فعبروا عن مشاعر وتأملات من شوق وأسى وفخر وصمود، وعن الظلم، وبعض هذه الكتابات ارتقت فنيا، وبعضها وبسبب ظروف كتابتها وربما بسبب موهبة أصحابها لم ترتق فنيًا إلى المستوى المتوخى، ولكن ليس من العدل أن يحاسب الكاتب والشاعر داخل السجن بمعايير الطلقاء الذين لديهم وسائل وعتاد الكتابة والراحة بعيدًا عن أعين الرقباء، فالسجن نفسه قد يؤدي إلى تشويه شخصيات ونفسيات البعض أو العكس، إذ قد يؤدي إلى صقلها والارتقاء بها، وبعض هؤلاء اشتهروا ببيت شعر واحد وبعضهم رحل بصمت.

 في سجن عكا، كتب شاعر شعبي يدعى عوض، على جدار زنزانته بالفحم  في ليلة إعدامه.

لا تظن دمعي خوف

دمعي ع أوطاني

ع كمشة زغاليل

بالبيت جوعانه

مين راح يطعمها

من بعدي وإخواني

اثنين قبلي شباب

ع المشنقة راحو

بكرة مَرتي كيف

رح تقضي نهارها

ويلها عليّ أو

ويلها ع صغارها

يا ريتني خلّيت

في إيدها سوارها

يومٍ دعاني الحرب

تا أشتري سلاحو

وكتب الشاعر التركي ناظم حكمت، عن نماذج السجناء الذين التقى بهم وعن محكوم بالإعدام في رواية سرنامة. وكذلك كتب بابلو نيرودا ولوركا وأمل دنقل وأحمد نجم.

وكتب تشيخوف في قصة الرهان، من خارج السجن، عن فلسفة السجن الذي قد يغير فكر وقناعات الإنسان رأسا على عقب، وكتب ديستويفسكي الذي حُكم بالإعدام في روسيا القيصرية، عن تجربة اللحظات الأخيرة قبيل الإعدام في إحدى رواياته، وقد أعفي عنه في اللحظات الأخيرة.  

هناك من مر بتجربة السجن فكتب، وهناك من سمع عن تجربة  غيره وكتب. هناك سياسيون وزعماء كتبوا مذكراتهم من السجن، من مختلف المشارب الفكرية والتيارات السياسية وأناس لا علاقة لهم بالسياسة، وجدوا أنفسهم في السجن بتهم ملفقة كما في رواية القوقعة للسوري مصطفى خليفة التي تتحدث عن سجن تدمر السوري والعذاب والمعاناة التي تشبه الخيال، والتي نشرت أول مرة عام 2008.

هناك من عاش في  السجن أياما قليلة، فأوحت له بالكثير مثل محمود درويش الذي كتب قصيدة "أمي" بعد تجربة اعتقال قصيرة بالنسبة للآخرين. وهناك من عاش في السجن عقودًا فأوحت له بالقليل، وهناك من نقل تجربته لطرف آخر كي يكتبها بالمشاركة معه كما في رواية السجينة للمغربية ياسمين أوفقير بمشاركة صحفية فرنسية تدعى ميشيل فيتوسي.

أدب السجون جانر أدبي عالمي، ولكنه رافد قوي في الأدب العربي بسبب الوضع السياسي العربي وطبيعة الاستبداد والعدد الكبير من السجناء السياسيين وهذا منتشر لدى الفلسطينيين أولا بسبب طول أمد الاحتلال وثانيا بسبب مشاركة فئات مثقفة واسعة في المقاومة وخصوصًا في الانتفاضة الأولى، نضيف إلى ذلك إمكانية وحرية التعبير المتوفرة تحت نير الاحتلال الصهيوني أكثر من الحرية المتاحة في التعبير في دول الاستبداد العربي.

التجربة الفلسطينية غنية جدا فهناك مئات ممن كتبوا عن السجن منذ العهد العثماني إلى يومنا هذا وما زالوا يكتبون.  

يقول الشيخ سعيد الكرمي من طولكرم والذي حكم بالإعدام في حقبة جمال باشا السفاح في أواخر العهد العثماني ثم خفض حكمه إلى المؤبد، في قصيدة يعتبر الحبس فيها راحة للجسم:

قالوا حُبستَ وأنتَ شهمٌ مفرد

وعُلاك ما بين الأنام مؤكّدُ

فأجبتُ إن الحبسَ فيه راحةً

مما به تُشفى الجسومُ وتُجهَدُ

أما خليل بيدس الذي عاش في العهد العثماني وسجن في عكا  فقد كتب بعد إطلاق سراحه"حديث السجون"وهي قصص ولكنها اختفت أو فقدت فيما بعد.

ما زال بعض من كتبوا في السجون مثل وليد دقة الذي أثارت مسرحية الزمن الموازي المستوحاة من رسائله غضب المؤسسة الصهيونية فحرمت مسرح الميدان الذي مثلها من الميزانيات.

اقرأ/ي أيضًا | أمي في ذكرى النكبة

يشكل هذا اللون رافدًا قويًا في مسيرة الأدب والنضال الفلسطيني، بالتوازي مع عظمة الحركة  الأسيرة  الفلسطينية، بأقلامهم وألوانهم خلدوا إرادة الإنسان التي لم يكسرها السجن والقهر بل صقلها، مثل وليد الهودلي والمتوكل طه وأحمد أبو غوش ومحمد عبد السلام وهشام عبد الرازق والشيخ رائد صلاح ووليد دقة وأحمد جربوني وعمار الزبن ونواف العامر وعزت العزاوي وعلي الخليلي ومحمد خليل عليان وسامي الكيلاني ونمر شعبان وعائشة عودة وأحمد أبو لبن وراسم عبيدات وحسام خضر وحسن عبد الله وفاضل يونس وعصمت منصور وأسامة العيسة ونافذ الرفاعي والرسام نبيل العناني وعيسى اعبيدو، وهناك أدباء سجنوا مثل توفيق فياض ولكنه لم يكتب عن تجربة السجن بشكل خاص، وغيرهم العشرات وأعتذر ممن لم أذكر اسمه فعكسوا إرادة التشبث بإنسانيتهم التي حاول السجان الانتقاص منها وحتى إلغاءها، شقوا طريقا للكلمة الحرة لتنطلق وتحكي للعالم تجارب الروح والجسد السجين لتحرض على النضال والصمود وتمجّد من ضحوا بأجمل سنين عمرهم لأجل أوطانهم وشعوبهم.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018