الفصل الأخير في معركة الكرامة... هل يتوج بالنصر؟

الفصل الأخير في معركة الكرامة... هل يتوج بالنصر؟

سليمان أبو إرشيد

لم تشتعل الأرض تحت أقدام ترامب، رغم خطر الموت الذي كان ولا زال يتهدد مئات الأسرى الذين يخوضون منذ أكثر من شهر معركة الكرامة بأمعائهم الخاوية، بل كانت بردا و"سلاما" موشحة بمدائح ترامبية دافئة، تليق بالقادم من "ثنيات الوداع" مغمورا بعبق أرض الحجاز ونفطها ودولاراتها ومعززا بـ"سيوفها" العربية التي رقصت به وله وحوله.

كيف لا وهو المتوج بقيادة أكبر تحالف عربي- إسلامي، تشارك به دولة فلسطين برئاسة محمود عباس، ضد الإرهاب وضد إيران وحزب الله وحماس، إنه حامي الخليج العربي من الخليج الفارسي وحامي الإسلام السني من الإسلام الشيعي، وهو حامي الحرمين "التقي النقي"... الذي "أسرى" على جناح طائرة الجامبو من أرض الحجاز إلى أرض فلسطين المباركة ليقع مباشرة في أحضان نتنياهو.

عبثا يحاول البعض، كما يبدو، الوقوف في وجه التيار الذي أطاح بالشراع وعطل البوصلة، فمن المفارقات المؤلمة أن يتم إغداق كل هذا الحب والمال على رئيس إدارة المستوطنين في البيت الأبيض والذي سببت مواقفه العلنية والمعلنة لشدة تطرفها المغالي في تأييد الاستيطان الحرج حتى لزعيم اليمين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذاته.

يجب الاعتراف أن هناك الكثير من الأمور قد تغيرت في المنطقة وفي مقدمتها خارطة التحالفات ومعادلات أولويات الصراع، حيث باتت قضية فلسطين بكل تفرعاتها من قدس ولاجئين وأسرى لم تعد تحتل الصدارة العربية، وأن محاولات تحويل الصراع في المنطقة من صراع عربي إسلامي- إسرائيلي إلى صراع سني شيعي تجد إسرائيل موطئ قدم لها فيه تحت ستار الخطر الإيراني المشترك، قد تكللت بالنجاح بمجيء ترامب الذي وفر غطاء رفض أوباما توفيره لهذا الصراع.

كما أن حالة التنازع الفلسطيني الداخلي، ليس أنها مكنت العرب من الإفلات من قيد القضية الفلسطينية الذي طالما غل أياديهم فقط، بل سمحت للأطراف الفلسطينية بالتمترس بأجندتها الحزبية على حساب الأهداف والأجندة الوطنية العامة وثوابتها، وساهمت في حالة الضياع السياسي والتشتت السياسي للفلسطينيين، وقد بدا ذلك واضحا في قضية الأسرى التي كانت حتى فترة قريبة من البقرات المقدسة الفلسطينية، رأينا أنها لا تسيطر على كامل الأجندة الوطنية، فالإضراب لم "يغلث" على ترتيبات واستعدادات واحتفالات زيارة ترامب وقبلها زيارة عباس لواشنطن، ما يعني أن الانقسام الفتحاوي الداخلي وليس بين فتح وحماس فقط، قد بلغ حدا كبيرا من التعارض الذي يصعب جسره في السياسات والتوجهات.

حالة الانقسام والتشتت الفلسطيني تلك "معززة" بواقع الانهيار والتداعي العربي غير المسبوق يضع إسرائيل بحكومتها اليمينية الاستيطانية في موقع تسمح لنفسها فيه التنكر للحقوق الفلسطينية بالكامل، والتراجع حتى عن امتيازات كان قد انتزعها الفلسطينيون في فترات سابقة، يدخل بضمنها التنصل من حل الدولتين وسحب امتيازات كان قد انتزعها الأسرى بنضالاتهم السابقة ويسعون بإضرابهم الحالي إلى استعادتها دون جدوى.  تجاهل كالذي سمحت لنفسها فيه تجاهل إضراب الأسرى بالكامل، مخيبة بذلك جميع التوقعات التي رجحت أن تحاول إسرائيل إنهاء الإضراب قبل ذكرى النكبة تخوفا من اشتعال الشارع الفلسطيني، أو بأقل تقدير قبل زيارة الرئيس الأمريكي إلى البلاد، كما عودتنا سابقا.

ولكن يبدو أن أجهزة "جس النبض" الإسرائيلية كانت عليمة بأمراض الجسد الفلسطيني، أكثر منا، وعرفت أن هذا الجسد المثخن بالانشقاقات والانقسامات وخيبات الأمل، لن يقوى على إحداث حراك مؤثر من شأنه أن يدفع باتجاه تغيير الوضع القائم أو "التنغيص" على زيارة ترامب، وبالفعل أثبتت سلطات الاحتلال أنها لم تقامر عند اتخاذها لهذا القرار، فالشارع الفلسطيني المنقسم والمشرذم لم ينتفض في ذكرى النكبة ولا ثار خلال زيارة ترامب، بينما طرح أبو مازن القضية، قضية الاسرى، بشكل خجول في خطابه المتهاوي خلال استقبال ترامب في بيت لحم. واليوم وهم ينقلون إلى المستشفيات بين الحياة والموت، ما زال الأسرى الذين دفعوا أغلى ما يملكون من أجل الوطن والشعب على أمل بأن شعبهم لن يخذلهم وأنه سيكتب الفصل الأخير في معركة الكرامة بالنصر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018