مكة والقدس والفاتيكان: ترامب والإرهاب

مكة والقدس والفاتيكان: ترامب والإرهاب

عبد الحكيم مفيد

انفعل أحد المتحدثين من على شاشة العربية وهو يفسر ويحلل مآلات زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للسعودية واعتبرها 'نقطة تحول تاريخية في العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية'، هكذا باختصار.

بدأ ترامب زيارته في السعودية 'قلب العالم الإسلامي' كما سماها، وكانت محطته الثانية في القدس، ثم يتوجه إلى الفاتيكان 'قلب العالم المسيحي'، هكذا تصبح القدس تباعا 'قلب العالم اليهودي'، هذه هي الرسالة الأولى لزيارة ترامب بدون الخوض في التفاصيل.

ليس ترامب بطبيعة الحال هو الذي قرر برنامج زيارته، ومن المؤكد أن 'جينيرال الكتريك' التي وقعت 'اتفاقيات' عمل في السعودية، ومثلها عشرات الشركات التي رافق مدراؤها ترامب، ليست هي الرسالة الأهم في هذه الزيارة، الشركات الكبيرة لا تحتاج إلى رئيس حتى بحجم ترامب لتوقع اتفاقيات في السعودية، فهي تعمل بدون إذن أحد، ولا تحتاج إلى 'مرافق'، الرسالة التي تبعثها 'الاتفاقيات' عبر وسائل الإعلام هي 'البشارة' لمواجهة 'الإرهاب'، أميركا لا تنشغل بمواجهة الإرهاب فحسب، أميركا تحب الانشغال بالتجارة والسوق و'مصالح العباد'.

كانت بداية الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، في القاهرة، وعبر خطاب القاهرة 'طمأن' أوباما العرب والمسلمين بشكل خاص أنه 'لا مشكلة لنا مع الإسلام'، وأصبح كلامه للتاريخ، 'الاختراق الناعم' يحتاج إلى تطمينات.

 ترامب هو الوجه الآخر للاختراق الناعم، الفوضى الخلاقة أتت أكلها وبعد أن دمرت بالكامل تم تحديد الهدف القادم، بشكل أوضح، الإسلام، الآن الكلام يقال بوضوح أكثر، داعش كانت الجسر الذي مر به الغرب نحو الهدف، ليس داعش فحسب، بل إيران أيضا.

صناعة الاصطفافات

أميركا لا تصنع اصطفافات جديدة، هي فقط تعيد محورة الاصطفافات، خطاب ترامب في السعودية تحديدا له معاني تتجاوز التحالفات والمحاور، السعودية ليست حليفًا جديدًا لأميركا، ومثلها دول الخليج من قطر نهاية برأس الخيمة.

أهمية هذا الخطاب أنه يقال من 'بلاد الحرمين'، 'أبراج ترامب' ذائعة الصيت تحاكي أبراج مكة على بوابات الحرم، الصفقات الكبيرة التي تقدر ب 300 مليار، وهي أرقام لا يعرف أحد معناها أصلا، ليست إلا الواجهة التي تختفي خلفها 'المشاريع الكبيرة'، الإرهاب ومعه داعش هما الشماعة.

 لم يأت خطاب ترامب بجديد، هو فقط أكد على المؤكد، إيران هي شماعة 'الخليج' و'داعش' هي شماعة 'الدول الإسلامية'، كلاهما يؤدي أدوارا متشابهة، انتهى عصر 'الإسلام المعتدل' من حقبة باراك أوباما وجاء عصر 'الاسلام الجديد'،  من 'بلاد الحرمين' تأتي البشارة، لم تعد داعش كافية منذ الآن للمرحلة القادمة، المطلوب منذ الآن إعادة النظر بالثوابت الدينية، من قبل أن يكبل في قفص داعش عليه أن يتوقع ما هو أسوأ من ذلك قبل أن يقف على محور محاربة الداعشية كما رسمت له، عليه ان ينتظر قريبا مطلب 'ضرورة مراجعة النصوص'، لأن أحد الأهداف الهامة لخلق الداعشية هو الوصول إلى 'النص المقدس' على اعتبار أنها 'ملهم وحاضنة' الداعشية.

من قبل بتكرار المقولات الغربية بشأن داعش سيكون مطالبا غدا بقبول مقولاتها بشأن 'النص المقدس'، وعليه أن يفهم أن زيارة ترامب لـ'بلاد الحرمين' أولا تحمل في طياتها معاني دينية.

 يحاول البعض التخفيف من حدة زيارة ترامب لحائط البراق بالادعاء أنه لم يقبل صحبة بنيامين نتنياهو لأنه 'لا يعترف' بالسيادة الإسرائيلية عليه، المهم في الزيارة هي الزيارة، ما تحمله من معاني ورمزية، ما يعلق في الذاكرة، زيارة ترامب هي التي تمنح السيادة دون الحاجة لنتنياهو، لأن ترامب لا يمنح 'سيادة ' لغير نتنياهو في الزيارة، ولو كان الأمر على هذا النحو لزار المسجد الأقصى ولو من باب 'اللباقة السياسية'، في هذه الزيارة تحديدا يحدد ترامب  الرموز  الدينية، بعد بلاد 'الحرمين' (مكة التي لا يستطيع زيارتها)، يزور القدس وحائط البراق ثم يتوجه إلى الفاتيكان، نهاية التاريخ.

تعاون الأديان

 تأتي دعوة ترامب في خطابه لـ'تعاون الأديان لتحقيق السلام' كعنصر آخر في خطابه لتأكيد الفكرة المركزية في خطابه، فليس هناك دين 'متهم' في الوقوف عقبة لـ'تحقيق السلام' غير الإسلام ممثلا بداعش التي، ويا للعجب، يجمع عليها الجميع بدون استثناء، وتصبح المسألة تباعا لذلك مرتبطة بطرح 'الإسلام الجديد'، وحين يكون ترامب بالذات نصير البروتستنانت الخلاصي هو مطلق الدعوة فلك أن تتخيل إلى أين وصلت الحالة.

 لم يأت ترامب بجديد، كما قد يظن  البعض، الرجل الذي  كان على شفا أن يبيد العالم وانشغل العالم بـ'جنونه' إلى حد الهوس، يبدو أكثر من 'معتدل'، هو فقط تحدث باسم المرحلة الجديدة ، توجه بخطاب واضح، المسلمون بحاجة إلى إعادة النظر بالإسلام، داعش ومشتقاتها هي فقط الجسر الذي مر ترامب من فوقه، مثلما كان 11 أيلول جسرا  لـ'الإسلام المعتدل'، داعش هي الطريق لـ'الإسلام الجديد' و'أبراج مكة' والساعة المنتصبة فوقها ،بجانب الكعبة، هي بالضبط 'الدين الجديد'، دين منسجم للغاية مع السوق، يعيد صياغة قيمه كما يقتضي السوق، دمج مشوه لحداثة حولت الناس إلى عبيد ودين  يقبل في سياق الدفاع عن النفس البحث له عن مكان في ظل عولمة  طاحنة، وهذا الدمج يحتاج أولا إلى تحييد الدين من حياة الناس عبر تحويله إلى عبء، إلى حد إقناع أصحابه أنه سيلحق بهم ضررا جديا ويمنعهم من ملذات ومتعة السوق، فلهم الخيار إما الإبادة أو الالتحاق بالسوق عبر تجميل كل مصائبه بلي عنق النصوص والترويج لحوار الأديان وتعاونها عبر إقامة أكبر معهد لحوار الأديان في عاصمة 'التدمير العقلي'، الدوحة.

الدين الجديد

كما تحب العولمة الدمج وتوحيد الأفكار، 'الدين الجديد' هو خلطة من الأديان والعولمة ذاتها، 'دين السوق' لا يعترف بالفوارق، ولا المرجعيات، لا مجال بحسبه للاعتراض على أية مسألة، 'قبول الآخر' بحسبه هو جزء من المعتقد، لا مجال لرفض أية فكرة ويمنع محاربة أي انحطاط، دين ماسوني فيه ترتفع أبراج مكة الشبيهة للغاية بأبراج ترامب كجزء من تدمير المعتقدات، ويقترب مكدولاند إلى أبواب الكعبة ليخلق خلطة عجيبة، كما خطاب ترامب.

في بلادنا قالوا دائما إنه لا مجال للخلط بين مكدولاند والكعبة، و'المتدينون الجدد' أعدوا 'التدين الجديد' بخلطات لا مرجعية ولا فتاوى ولا سياسة، ليتسنى لهم تمرير أقذر هجمة لتحويل الدين إلى مسألة شخصية، لا علاقة لها بالجماعة.

عبر فضائيات النفط الفاسدة تم تمرير ما يمكن اعتباره أخطر مشروع لـ'عبادة الترفيه'، كل من يبحث عن الخلاص يكفيه فنون الإدارة والتنمية البشرية والتخطيط الإستراتيجي ليصل إلى حيث يريد.

 يكمن 'الخلاص الفردي' للأفراد بالتفتيش عما 'يناسب' ملذاتهم ومنافعهم، وليس هناك أية مرجعية مشتركة، ليس هناك 'جماعة' تعيش خارج السوق، بإمكان كل واحد ممارسة تدينه بالشكل الذي يريد بشرط واحد، يمنع المس بالسوق وقوانينه، أولا تنضم إليه وتقبل بشروطه دون أي اعتراض ثم تفعل ما تشاء.

الانضمام إلى السوق يتطلب شرطين، الأول القبول به كرمز للنجاح والتفوق، والثاني الانضمام إلى 'القطيع المحارب' لمن يقف في وجهه عبر 'جهاد مدني' لا يعترف بأي فرق بين الأيديولجيات والأديان على رأسها.

خطاب ترامب هو الممثل الرسمي لأيديولجيا الدجال التي وصلت مرحلة متقدمة ما قبل اللحظة الحاسمة، هذا عندنا من الغيبيات وعندهم من 'العقائد الراسخة'، قطعان تساق تحت وطأة الإبادة والموت والترويع والتجويع، وسوق مليء بالملذات والمتعة كما هي الاتفاقيات التي وقعت بقيمة 300 مليار دولار.

 يشغل الإعلام الناس بزيارة ترامب في السؤال حول 'مسيرة السلام' فيرد ترامب بزيارة لحائط البراق، جواب بدون كلام، ولأن هناك من يفتش عن 'شيء' يشفي به غليل الناس، يتم النقاش حول عدم اعتراف ترامب بـ'السيادة' الإسرائيلية، والدليل أنه لم يصطحب معه بنيامين نتنياهو، هل يمكن أن يكون هناك بؤس أكثر من هذا الكلام؟.

لم يأت ترامب إلى المنطقة ليخوض في أسئلة السيادة، هذه مسألة إسرائيلية داخلية وليس من وظيفة أميركا تاريخيا الخوض في النقاشات الإسرائيلية الداخلية، هي فقط تصادق عليها، تدعمها وتوقع عليها.

 كان ترامب، حتى لا يثير أية شبهة، واضحا في موقفه، فهو مع إسرائيل، منحاز لها، فماذا ينتظر الفلسطينيون منه؟

عودة المسرح الإيراني

يحتاج المشهد إلى عناوين للحرب، فتحضر إيران ومعها داعش والقاعدة وحماس وحزب الله، خلطة 'مناسبة' للغاية، عجيبة كذلك، وتربح إيران من جديد الرهان، فهي لا تحتاج أكثر من انظمة مثل التي في الخليج تحذر من 'الخطر الإيراني' وداعش والإرهاب لتعيد لإيران 'هيبتها' المفقودة كرأس حربة في 'مقاومة' العربدة الأميركية، تعود المقاومة التلفزيونية من جديد وتغذيها أنظمة عميلة، شريكة مع إيران ذاتها في تدمير العراق وسورية مؤخرا.

هذه المرة لن تنجح إيران في سرقة عقل أحد، ولن تنجح في خلق أوهام جديدة لأنها تقف في وجه أميركا ولن تقف، والآن وبالذات يتضح كم تحتاج الأمة الى طريق ثالثة، تقف في وجه الآلات (آلات الخليج) والآيات (آيات إيران).

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018