الكلمة الافتتاحية لمؤتمر مدى الكرمل الثالث لطلاب الدكتوراه الفلسطينيين

الكلمة الافتتاحية لمؤتمر مدى الكرمل الثالث لطلاب الدكتوراه الفلسطينيين

د. أيمن إغبارية*

يسعدني باسم اللجنة الأكاديمية أن أفتتح مؤتمر مدى الكرمل الثالث لطلاب الدكتوراه الفلسطينيين. باسم زملائي، بروفيسور ميخائيل كريني، د. منار حسن، ود. مهند مصطفى أشكركم جميعًا على حضوركم ومشاركتكم.

تكمن أهمية مؤتمر مدى الكرمل الثالث لطلاب الدكتوراه الفلسطينيين في التأكيد على أن الذات الفلسطينية ما زالت قادرة على التجدد معرفيا وعلى التعاطي مع همومها وتحدياتها بأدوات العلم وباللغة العربية. المؤتمر فرصة لتقديم نماذج شبابية تحاول أن تشق طريقها علميا ومهنيا وأن تطور مقاربات نقدية ومتنورة لدراسة واقعها الاجتماعي والسياسي. في هذا السياق، أبحاث المؤتمر هي رسائل عنوانها أن الأكاديمي غير منفصل عن واقعه وأنه يحمل هما للتغيير المجتمعي والسياسي كما ينعكس ذلك في مواضيع الأبحاث وفئاتها المستهدفة. من الجميل أن ترى أبناء وبنات فلسطين يبحثون ويدرسون ويحلمون بمستقبل أفضل ووطن أوسع ومخيلة أغنى، ومن الأجمل أن نقدم لمجتمعنا نماذج من الباحثين والباحثات يعززون الأمل والثقة في قدرة مجتمعنا على أن يتجاوز ما يمتحنه من عنصرية وتمييز وعنف وطائفية.

هذا المؤتمر يهدف إلى تدعيم طلاب الدكتوراه في منحيين هامين. الأول يتعلق بإكسابهم مهارات العرض باللغة العربية، أما المنحى الثاني فيتعلق بتطوير منظور نقدي تجاه مشاريعهم والتبصر بأهميتها وراهنيّتها وصِلتها بواقع الفلسطينيين وتاريخهم ودوائر القمع، الإلغاء، السيطرة، الرقابة والضبط التي تحيط وجودهم. وقد يكون أهم من ذلك، المؤتمر هو فرصة للقاء والتعارف والتعاضد بين طلاب الدكتوراه الفلسطينيين المشاركين لأن كتابة رسالة الدكتوراه هي رحلة وهي مشروع حياة، كثيرا ما تتكاثر فيه عليك مشاعر الوحدة والعزلة. وعليه، في الاجتماع المعرفي والوجداني الذي يحققه المؤتمر فرصة للتواصل والتشارك والدعم المتبادل. أيضًا، المؤتمر فرصة للتعالي فوق الجغرافيا الفلسطينية الممزقة، والسياسة الفلسطينية المنقسمة، والخصوصيات المنكفئة على نفسها. وهو فرصة لوضع العمل الثقافي عاليًا على سلم اهتماماتنا وللتأكيد على أولوية الحقل الثقافي الفلسطيني في صناعة الهوية الفلسطينية المشتركة وامتلاك فلسطين بصفتها وعيا ومخيلة لكل الفلسطينيين أينما كانوا.

في أفعال القراءة والبحث والكتابة لرسالة الدكتوراه نزعٌ لغلائل السِّحر، بتعبير عالم الاجتماع ماكس فيبر، عن الواقع سعيًا لدراسته بعقلانية ومهنية وموضوعية بعيدًا عن سببية الغيب وأهواء الذات وتقلباتها، لكن فيه أيضًا وفي أحايين كثيرة إعادةٌ لهذا السِّحر، خصوصا عندما تتم دراسة ما هو يومي ومعاش، وما هو مهمل وهمش، وما هو غير مفكر فيه وغير متلفظ به. في هذا وذلك. في نزع السحر وإسباغه، تبدو أسئلة التاريخ والذاكرة والهوية والانتماء الأكثر إثارة ووعدًا في السياق الفلسطيني، من حيث إمكانية فحص سياسات وممارسات المحو والإلغاء والتشويه لكل ما هو فلسطيني أو بإمكانه أن يكون كذلك على أرض الواقع، ومن حيث إمكانية استكشاف مناطق بحثية جديدة في تاريخ الفلسطينيين والفلسطينيات وتطور هوياتهم وكيف تنفتح حيواتهم على الثابت والمتحول والدائم والطارئ والمقدس والمدنس والقمع والمقاومة.

هذا وما من شك أن الأبحاث المقدمة ضمن المؤتمر تعكس هذا التوتر ما بين الرغبة بدراسة الواقع بموضوعية وما بين الرغبة بتقديم هذا الواقع من خلال التأكيد علي خصوصية السياق الفلسطيني، ما بين البحث عن علاقات سببية والبحث عن انعكاسات النتائج، وما بين موضوع البحث وذاتية الباحث. هذا التوتر كثيرًا ما يُملي على الباحث أو الباحثة كتابةً تؤكد بإفراط أو تنفي بتفريط فلسطينيته ووطنيته.

هذا التوتر هو في صلبه توتر بين نوعين من الكتابة: كتابة التمثل والقبول والاستيعاب، مقابل كتابة الرفض والتحرر والتجديد. في الكتابة الأولى نشرح ونلخص ونحلل، نعيد إنتاج المعرفة السابقة بكثير من الانبهار، وفي الكتابة الثانية نجدد ونبدع ونحاور ونتجاوز. بتعبير الفيلسوف المصري حسن حنفي، الكتابة الأولى قيد والكتابة الثانية تحرر. طبعا الكتابتان، الأولى والثانية، ضروريتان ومطلوبتان بما تقتضيانه من انفتاح حذر على المعرفة الوافدة والتطلع لمعرفة جديدة ومتفلتةٍ. من المهم أن ندمج ما بين الكتابة التي نطهو بها كتابة سابقة و "مجمدة" وما بين الكتابة “النيئة” و"الطازجة" التي نلتحم بها مباشرة بالواقع دون نص يحجبُه.

وعليه، حين نستبق القارئ أو المستمع بالقول إننا نتبنى منظور دراسات ما بعد الاستعمار في الحالة الفلسطينية، وإننا نرى إسرائيل كحالة استعمار استيطاني، أن نكون حذرين من تقديم "لقمة" كتابة مضغها الآخرون بدلا من لقمةٍ ساخنة نأخذها مباشرة من يد الواقع.

أقول ذلك، لأن الكثير ممن يتبنون هذا المنظور يتبنوه كموقف معياري وقيمي لا كأداة للتحليل ولإعادة تركيب إحداثياته بشكل نقدي. في هذا الموقف، كثيرا ما نجد تبعية واستعادة لنصوص سابقة من قبيل يقول إدوارد سعيد أو يدعي نديم روحانا أو غيرهم، دون أن تنعكس المقولات والادعاءات في التحليل أو أن يتم نقدها "والنزول بها إلى الشارع". وبذلك تصبح كتابة الإطار النظري للاستعمار الاستيطاني كتابة تحلق فوق الواقع دون أن تلامسه، كتابة "لا تؤثر في الواقع ولا تحركه، بل تكون عبئا عليه وستارًا يحجب رؤيته"، كما يقول حسن حنفي. أقول هذا لتشجيع الباحثين والباحثات على التعاطي مع المنظور المذكور ليس كموقف قيمي فحسب، بل أيضًا كأداة تحليل.

في النهاية، أود مرة أخرى أن أشكر مركز مدى الكرمل على الفرصة التي أتاحها لنا في اللجنة الأكاديمية لمرافقة المؤتمر أكاديميًا والتواصل مع الباحثات والباحثين الواعدين. أتمنى للجميع مؤتمرًا ثريًا ونقاشًا مثمرًا.


د. أيمن إغبارية، عضو اللجنة الأكاديمية لمؤتمر مدى الكرمل الثالث لطلاب الدكتوراه الفلسطينيين، رئيس برنامج اللقب الثاني في دراسات التربية والمجتمع والثقافة في جامعة حيفا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018