يسار 3% أم معسكر وطني؟

يسار 3% أم معسكر وطني؟

رامي منصور

المطلوب هو معسكر وطني للتأثير والتغيير وتحصين المجتمع العربي سياسيا واجتماعيا في ظل التطورات الحاصلة محليا وإقليميا، ويكون سقف نضاله أعلى من العمل البرلماني والمواطنة، ويلتقي مع نضال الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده.


ليست ما تسمى بأزمة القائمة المشتركة الأخيرة هي الدافع الوحيد للسطور التالية، وإنما الدافع الرئيسي هو التراجع في تأثير القوى الوطنية في المجتمع العربي وتراجع الخطاب الوطني، وانتشار خطاب انتهازي شعبوي مؤسرل على شكل أفراد يحملون ألقابا أكاديمية لا يجيدون إلا الولولة وتثبيط العزائم، في موازاة تسلل مخططات حكومية أخيرها ولا آخرها افتتاح مراكز الشرطة.

وعند البحث عن أسباب هذا التراجع في التأثير السياسي والمجتمعي وتراجع الخطاب الوطني شعبيا، لن يفيد فقط تسليط الضوء على الضعف الفكري لهذا الخطاب وعدم تطويره ليصبح عاجزا عن مواجهة التحديات المستجدة كل يوم وهي كثيرة.

بالإمكان أن نعزو تراجع الخطاب الوطني والقوى الوطنية إلى حالة الجزر السياسية بتأثر من التحولات العربية حولنا، وهذا صحيح.

لكن هناك أيضا سببا رئيسيا آخر وهو تشتت القوى الوطنية. هذا التشتت جعلها تملك فكرا وخطابا سياسيا راسخا، لكنها على أرض الواقع أو في الميدان دون تأثير حقيقي، وتحديدا في الشأن الاجتماعي، حيث صوت القوى الإسلامية هو الأقوى. أي أن هذه القوى الوطنية صارت مثل اليسار الفلسطيني في منظمة التحرير، تملك إرثا سياسيا وفكريا وتنظيما، لكنها على أرض الواقع لا تتجاوز قوتها نسبة ٣ في المئة في الانتخابات التشريعية.

وفي موازاة انحسار تأثير هذه القوى سياسيا واجتماعيا، وهيمنة القوى الإسلامية على الخطاب الاجتماعي، عمقت الانقسامات حول ما يجري في العالم العربي وتحديدا سورية من أزمتها وفرقتها، لتجد بعض هذه القوى أنها أقرب في هذا الشأن إلى أشخاص وقوى هم في النقيض لها تاريخيا وفكريا، وبعض هذه القوى انقسمت داخليا إلى درجت أن الانهيار الداخلي صار خطرا.

كما عانت هذه القوى من ترسبات وعقد شخصية منعت الالتقاء.

وهذا التشتت لا يقف عند حد الحركات بل الأفراد أيضا، الذين يرون أن التنظيمات الحزبية لا تناسبهم ويفضلون الركون جانبا على خوض المعارك الحزبية الداخلية، وهذا أمر شرعي ومفهوم ومنتشر جدا. لكن ما العمل وأن السياسة من دون أحزاب مثل السيارة بلا إطارات.

في موازاة التشتت والضعف الفكري وانحسار التأثير سياسيا واجتماعيا، نواجه هرولة عربية للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وسنرى في الفترة المقبلة المتأسرلين بين ظهرانينا يبكون هرولة العرب للتطبيع لكن في موازاة ذلك يدعوننا في الداخل للتطبيع مع الدونية في دولة اليهود.

هذا الواقع يجب ألا يدعو لليأس والانكفاء، بل إلى التعامل معه على أنه التحدي وقدر القوى الوطنية أن تواجهه كل عقدين على ما يبدو. إذ واجهته قبل عقدين بعد اتفاقيات أوسلو والتقت في التجمع الوطني الديمقراطي كحزب سياسي يلم شمل الحركة الوطنية في الداخل. على الأقل كانت هذه الرغبة.

وبعد عقدين تواجه القوى الوطنية تحديا مماثلا ولكن مع فرق بسيط لكنه هام، وهو أن خطر الأسرلة كما عرفناه قبل عقدين غير قائم، ليس بسبب مناعتنا الوطنية وإنما لأن العنصرية الإسرائيلية أصبحت لا تريد العرب فيها حتى كمواطنين من الدرجة الثانية، بل تبحث عن حلول للتخلص من أكبر عدد منهم في تسوية مستقبلية، وفي ظل التطبيع العربي معها يبدو أن الطريق أمامها ممهدا لمزيد من القمع والملاحقة السياسية ونفي العربي مكانيا ومعنويا.

هذا فرق بسيط لكنه جوهري، ويبدو أن جزء لا يستهان به من الجيل الشاب يدرك حجم العنصرية الإسرائيلية وفقد الأمل من الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، وإلا كيف بمقدورنا تفسير تفضيل الجيل الجديد التوجه للدراسة في جامعات الضفة الغربية والأردن على التوجه للكليات والجامعات الإسرائيلية. هذا تطور هام ويمكن التعويل عليه مستقبلا، لكنه يؤشر أن الجيل الجديد يدرك أن الأبواب الإسرائيلية غير مشرعة أمامه وأنه غير مرغوب به إلا كقوة عمل رخيصة حتى لو في مجالات الطب والتكنولوجيا المتطورة.

هذا الواقع كما ذكرت سابقا ليس مدعاة لليأس والإحباط، بل إلى تطوير أدوات جديدة ولم شمل القوى الوطنية مجددا، ليس في إطار حزبي أو تنظيمي صارم، وإنما في حركة ترفع راية الديمقراطية والوطنية والتعددية المجتمعية، وتشدد على هويتها العربية الفلسطينية وتبني جسورا للتواصل مع حركات فلسطينية شعبية في الضفة وغزة والشتات، وتتجاوز خلافاتها في الشؤون الإقليمية.

والقوى الوطنية ليس المقصود فيها ما يسمى القوى العلمانية اليسارية مثل التجمع وأبناء البلد أو حتى الجبهة، وإنما أيضا قوى في التيار الإسلامي، خطابها السياسي ديمقراطي وطني وتقر بالتعددية المجتمعية وترفض محاولة فرض الوصاية المجتمعية باسم الدين، بالإضافة إلى مثقفين وأكاديميين يحبطون كل يوم من جديد بسبب عدم قدرتهم على الانخراط في الشأن العام، السياسي تحديدا، بسبب انعدام الطرق والأطر المناسبة إلى جانب أزمة الأحزاب.

ليس هذا تقليلا من دور القائمة المشتركة أو لجنة المتابعة، بل هو أفق آخر للتأثير والتغيير وتحصين المجتمع العربي سياسيا واجتماعيا في ظل التطورات الحاصلة محليا وإقليميا، ويكون سقف نضاله أعلى من العمل البرلماني والمواطنة، وإنما يلتقي مع نضال الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده.

وهذا اللقاء للقوى الوطنية ليس بحاجة إلى لقاءات القادة بل لقاء القاعدة، قاعدة هذه التنظيمات والحركات والأفراد، وتحديدا الشباب. هذا اللقاء كان ناجحا في الحراكات الشبابية في السنوات الأخيرة، لكنه لم يتطور إلى حركة سياسية واسعة وظل حراكا محصورا.

ليس المطلوب حزبا سياسيا جديدا، بل لقاء القوى الوطنية، أفرادا وتنظيمات، في حركة ديمقراطية وطنية فلسطينية تلم شمل هذه القوى وتستعيد نفسها مجددا، إذ وصل ضعفها إلى درجة أن ليس لهذه القوى منبرا إعلاميا حركيا أو حزبيا، فكيف لها إذًا أن تواجه التحديات المستجدة وهي في هذا الوهن.

اقرأ/ي أيضًا | بلا أمل

لا حاجة لإطار نظري لمثل هذا الالتقاء وتفصيله سلفا. من دون هذا الالتقاء ستتحول هذه القوى إلى يسار ٣٪ حتى لو كانت ممثلة برلمانيا، أي على غرار اليسار الفلسطيني في منظمة التحرير، ينحصر دورها في وقفات دعم الأسرى، وهذا أمر في غاية الأهمية، لكنه غير مؤثر ولا يغير سياسيا واجتماعيا، ولا يتعدى كونه احتجاجا وتضامنا. يجب أن ننتقل من حالة الاحتجاج إلى التغيير.

إذًا، الخيار بين يسار ٣٪ ومعسكر وطني واسع.

ملف خاص | العودة إلى المدارس