"حين يصبح التلف مقصودا تكون المصيبة أكبر"

"حين يصبح التلف مقصودا تكون المصيبة أكبر"

عوض عبد الفتاح

نطق بهذه العبارة القاسية، والتي تصف دور الطبقة السياسية الفلسطينية في الوصول إلى وضعنا الراهن، مثقف فلسطيني ناقد (فتحاوي)، قضى في السجن أكثر من عشر سنوات، وهو يعمل الآن في المجال الثقافي (في إطار وزارة الثقافه الفلسطينه). كان ذلك في إطار جلسة مع عدد من الأكاديميين والأساتذة و نشطاء شباب، بعد انتهائي، أمس، من محاضرة في جامعة بير زيت لمجموعة من طلاب الماجستير، بطلب من الصديق عبد الرحيم الشيخ المحاضر في قسم الآداب والفلسفة. وهي ليست المرة الأولى التي أُدعى و أتشرف للحديث امام طلائع من الجيل الفلسطيني الجديد. كما ليست المرة الأولى التي نجلس فيها مع نخبة من الأكاديميين والمثقفين والنشطاء الشباب لنتداول في المأزق الراهن، وفِي كيفية المساهمة في مواجهته على الصعيد الفكري والأخلاقي، من خارج مدرسة الخراب. ويشرف دكتور الفلسفة، الشيخ، على مساق خاص بالقضية الفلسطينية ابتكره في إطار ما يراه مسؤولية تاريخية في تنمية جيل يحمل الرواية الفلسطينية بعمق ووعي كامل بواجبه.

وخلال النقاش مع الطلاب، تلمس ما يشكله المأزق الفلسطيني الكارثي من مرارة وغضب ونفور من الطبقة السياسية. وتكتشف أن قسما كبيرا منهم لا تكسره حالة الخراب السائد، بل يبحثون دوما عن منافذ للحراك نحو المستقبل. ويتعلقون بمن يسعى، من أساتذتهم، أو من مناضلين قابضين على الجمر لتوجيه بوصلتهم. وقد بات في وعيهم أن مواجهة المستعمر المتوحش، لن ينجح اإا بالتوازي مع محاربة عملية التخريب السياسي والأخلاقي والاجتماعي. وهي عملية عسيرة جدا ومحفوفة بمخاطر كثيرة، وتعوقها تحديات داخلية وخارجية. إذ أظهرت التجربة منذ عام ٢٠١١، منذ انفجار غضب الشعوب العربية، خوف الطبقة السياسية الحاكمة من طلائع الجيل الجديد. وفِي الوقت نفسه، عرَّت هذه الطلائع عجز فصائل اليسار الفلسطيني عن حماية هؤلاء الأبناء والبنات عبر تأطيرهم. وهكذا تكرست حتى اليوم بنية الخراب والتدجين التي تهدف إلى قتل روح الأمة، وثقافة المقاومة.

واذا ما فككنا مقولة المثقف الفلسطيني بخصوص التخريب المبرمج، فإن المقصود هو أن ما فرضه ميزان القوى قبل أكثر من عقدين من الزمن، من مصالحة مع الصهيونية، أنتج بنية، مؤسساتية واجتماعية وذهنية، خادمة للاستعمار (بقصد أو بدون قصد)، وتعيد إنتاج نفسها، بوعي وبغير وعي، مع مسوغ أيديولوجي مناقض لأيديولوجية التحرر.

"لا تسمحوا لهم بتخريبك كما خربونا"

هذه مقولة أخرى من شخصية وطنية أخرى قيلت في جلسة ثنائية في مكتبها في رام الله عشية انتخابات الكنيست الأخيرة عام ٢٠١٥ وأثناء جهود تشكيل القائمة المشتركة، والتي تدخلت فيها السلطة الفلسطينية لصالح تشكيل القائمة. وأنا شخصيا، رغم موقفي المعروف من السلطة، رحبت بالضغط الذي مارسته على من هم أقرب إليها من الأحزاب السياسية داخل الخط الأخضر، للتخلي عن الموقف التقليدي الرافض لأي شكل من الوحدة القومية. مع أننا كنّا ندرك أن دافع السلطة الفلسطينية الأساس، لا يأتي ضمن مشروع توحيد فلسطينيي الداخل قوميا، وفتح الأفق أمام تطويرالعلاقة السياسية والنضالية الإستراتيجية بين كل تجمعات شعبنا الفلسطيني في مواجهة نظام كولونيالي اقتلاعي، إنما لتكون هذه القائمة المشتركة كتلة احتياط لما يسمى بمعسكر السلام الاسرائيلي بزعامة حزب العمل الصهيوني. وهذه سياسة فلسطينية قديمة، يسلكها حتى اليوم أصحاب مدرسة أوسلو. طبعا نحن، في التيار الوطني، المناهض لمدرسة أوسلو، كنّا ندرك أهمية النجاح في تطويع عقلية الرفض للتنظيم القومي في مواجهة الإجماع الصهيوني، من خلال النجاح في خوض الانتخابات بقائمة مشتركة، وكنا نراهن على ديناميكيات التجربة، وتفاعلاتها الفكرية والعملية. أي أنها يمكن، وعبر جهدنا الذاتي أيضا، أن تتطور إلى ما هو أرقى، أي أن تشكل دفعا نحو جبهة شعبية وطنية ديمقراطية تحررية، وتزيل عقبات أساسية من طريق إعادة تنظيم لجنة المتابعة العليا. واعتبرنا تحقيق فكرة الوحدة الانتخابية في قائمة واحدة، وبحق، كسرا لنهج تقليدي امتد لزمن أطول مما يجب، وفتحا لمرحلة جديدة كان من المفترض أن تنبلج وتسير في خطى ثابته. لم يكن هذا التفاؤل ساذجا، ولا تجاهلا لما يمكن أن تلعبه التناقضات الداخلية في إعاقة التقدم، ولا جهلا بتأثيرات النزعة العدوانية الصهيونية المتصاعدة ضد مشروعنا الوطني القومي، وعلى وجودنا كشعب.

خيط الأسرلة يمتد من رام الله إلى الداخل

في السنوات الأخيرة، حصلت تطورات فيها الكثير من المفارقة. الفلسطينيون في إسرائيل، الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية، وعبر تيارهم الوطني، ينجحون في وقف زحف الأسرلة، وذلك عبر تعميم خطاب تفكيك البنية اليهودية الصهيونية لدولة إسرائيل و منظومتها الاستعمارية الاستيطانية. لقد بات مطلب المساواة يعتبر في في خطاب الحركة الوطنية والنخب، خطابا انتهازيا وتضليليا بدون ربطه بالمواطنة الكاملة. وقد تحول هذا الخطاب منذ السنوات الأولى لانطلاق التجمع الوطني الديمقراطي، من أهم نقاط الاشتباك مع الفكرة الصهيونية، ومن أهم مصادر التثقيف والتعبئة لشعبنا ولطلائع الجيل الجديد التي تربت ونشأت عليه. وكان على التجمع أن يدفع ثمنا كبيرا جراء هذا الموقف المبدئي، عبر التحريض والملاحقات والاعتقالات ومحاولات شطب التجمع المتكررة والحصار، وهي سياسة عدوانية لا تزال مستمرة ضد الحزب وقياداته وكوادره وقاعدته الشعبية حتى اللحظة.

ولكن في المقابل، تُطوّر السلطة الفلسطينية نهج أسرلة أكثر ابتذالا وأكثر خطورة مما كان قائما حتى أواسط السبعينيات، إما من خلال تدخلها المباشر، أو من خلال الاعتماد على أوساط من ممثلي فلسطينيي ال ٤٨، ومنهم أعضاء كنيست لتمريره وجعله جزءا من ثقافة هجينة، وغير سياسية. طبعا بالإضافة إلى أبشع أشكال التطبيع الذي تقوم بها لسلطة ألا وهو التنسيق الأمني، فإنها تقوم بتغذية وتعميق هذا النهج داخل منطقة ال٤٨. منها ما هو متصل بالتعاون مع جماعات إسرائيلية صهيونية، حزبية وشعبية، ومنها ما هو متصل بالمجتمع العربي الفلسطيني.

بخصوص المجتمع الإسرائيلي، فإن الخطاب المعتمد هناك ليس خطابا وطنيا تحرريا، ولا ديمقراطيا حقيقيا، بل هو خطاب مبتذل، يسعى إلى الاسترضاء من خلال تغييب عناصر القضية الفلسطينية الجوهرية، ومن خلال تجاهل يهودية الدولة وخطورتها على حقوق فلسطينيي ال ٤٨، وملايين اللاجئين. لا تطرح "لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي"، القيم الكونية، قيم التحرر والحرية والعدالة والمساواة التي يجب أن تقوم عليها الدولة الديمقراطية، وهي قيم تدّعيها إسرائيل وتمارس عكسها تماما، بل ترتكب الجرائم الرهيبة يوميا باسمها. هناك فصل سياسي كامل بين الفلسطينيين، وبين منظومات القهر الاستعماري التي تعود كلها إلى نفس النبع.

وبخصوص التواصل مع المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، فالسلطة الفلسطينية لا تميز بين الوطني وغير الوطني، ولا بين من يخدم في جيش الاستعمار الصهيوني ومن يعارض هذه الخدمة ويتعرض للسجن والملاحقة. يذهبون بتهنئة ضباط دروز خدموا في الأرض المحتلة عام ٦٧، أو ببناء علاقات مع شخصيات عربية أخرى من أحزاب صهيونيه مدفوعين بوهم التأثير عليهم، أو بدافع إثبات حسن النية عند المستعمر.

منذ تشكيل القائمة المشتركة، نلمس تأثيرا متزايدا لهذه السياسة وهذا النهج المنتعش في مقاطعة رام الله، على قيادات بارزة في المشتركة، وعلى قيادات في لجنة المتابعة. وفِي هذا السياق، لم تبتعد الشخصية الوطنية المذكورة أعلاه التي حذرت من التخريب، عن الحقيقة. والمقصود تخريب النهج الوطني الذي نهض به هذا الجزء من شعبنا الفلسطيني تحت المواطنة الإسرائيلية، في مرحلة فاصلة من تاريخ نضالهم. وهذا يجب وقفه، والتحذير منه بمنهجية، وبروح من المسؤولية العالية. علينا أن نحصن أنفسنا في مواجهة هذا التخريب، لأن تجاهله يعني إضعافنا في مواجهة نظام القهر العنصري، الذي يسعى اليوم إلى إعادة تصنيفنا بين معتدل ومتطرف. وقد أقدم هذا النظام العنصري على خطوة خطيرة في هذا السياق، أي حظر الحركة الإسلامية. وإن مرور هذه الخطوة القمعية غير المسبوقة، منذ حظر حركة الارض أوائل الستينيات، بدون معارضة واسعة، هو أمر خطير. وفِي هذا السياق أيضا، أي في سياق التصنيفات الصهيونية يجري أيضا تصعيد ملاحقة التجمع، والتضييق عليه، ربما تمهيدا لخطوة خطيره مشابهة، التي إن تم الإقدام عليها سيتغير وجه السياسة العربية كلها داخل الخط الأخضر. و في داخل المشتركة، يتعرض حزب التجمع إلى حملة تحريض متواصلة من قبل الإجماع الصهيوني، وتعتبر اْبواق هذا الإجماع أن موقف التجمع ونهجه يخرب المشتركة ويردكلها، مع أن أصواتا كثيرة داخل الحزب تطالب بمواقف أكثر قوة في لجم خطاب الاستجداء.

الحصن الأخير

إن البيئة التي ينشط فيها الصوت الوطني المعارض لهذا النهج داخل المشتركة، والمعارض لنهج التخريب المنساب من مقاطعة رام الله، صعبة جدا، وتزداد خطورة. اعتقدنا أن مسلسل الهبوط والانحدار وصل القاع، فتبين أن القاع أعمق. فمن البيئة العربية الإقليمية يتدفق طوفان الانهيارات والضياع، إذ بموازاة استمرار اغتيال طموحات الشعوب العربية بالتحرر والديمقراطية على يد أنظمة الاستبداد، تتعرى أنظمة عربية خليجية وغير خليجية، تماما من أي شعور بالخجل ومن كل قيمة أخلاقية ووطنية، عبر حصار دولة عربية وتجريم المقاومة والاندفاع نحو الكيان الإسرائيلي الاستعماري.

مع ذلك، فانه لا خيار أمام الحركات الوطنية داخل الخط الأخضر وكل فلسطين، الا التحصن بالموقف الوطني الأصيل. واليوم تحتاج هذه الحركات والأشخاص إلى التعاون والتنسيق الجدي حول الموقف، وكذلك حول كيفية تعميم الموقف وتحصين أوسع الشرائح الشعبية والمثقفة والطلابية والشبابية، في وجه طوفان التخريب والإحباط.

وهذا طبعا ليس على حساب الهيئات التمثيلية العليا أو الانتخابية المشتركة.

لكن هذه الحركات والأوساط تحتاج إلى مراجعة أخطائها، بما فيها نحن، حزب التجمع، وبالسرعة الممكنة لتفادي انهيارات قادمة، ولخلق خطاب أمل، واستيلاد قيادات جديدة تستفيد من أخطائنا. يجب أن ندرك أن الحركة الوطنية أوسع من أي حركة سياسية أو حزب سياسي. هناك أعداد كبيرة من الناس متيقظة وطنيا وأخلاقيا لا بد من الوصول إليها بخطاب وطني مسؤول وبعيد عن النزق، وخطاب اجتماعي وثقافي أصيل، وعبر مخاطبة مصالحها وهمومها، في مواجهة الخطاب الاستجدائي غير الواقعي وغير المسؤول الذي يبني الأوهام.

داخل هذا الشعب طاقات لا تنضب، انظر إلى الموجات الانتفاضية المتوالية في مدينة القدس العربية وضواحيها، والمتجددة منذ أكثر من سبعة أعوام. انظر إلى تدفق الناس المتواصل إلى بوابات الأقصى منذ أيام يواجهون قوات الاحتلال بصدورهم العارية. كل ذلك يجري رغم غياب قيادة مركزية تتحمل المسؤولية، وهو الأمر الذي يحتاجه شعبنا بإلحاح حتى لا تذهب هذه النضالات سدى.

داخل الخط الأخضر توجد هيئات موحدة، هناك "القائمة المشتركة" وهناك "لجنة المتابعة"، ولكن لا يوجد حراك شعبي منتظم وفاعل ضد مخططات الهدم والتهجير والتحريض العنصري. إن الحفاظ على هذه الهيئات مصلحة كبرى لمجتمعنا ولشعبنا. ولكن هذا لا يتم بدون الحفاظ على خطاب وطني أصيل، وبدون تطوير بُنيتيهما، وبدون احترام العلاقات الداخلية والالتزام بالاتفاقيات. الحفاظ على العقد الاجتماعي والانطلاق منه في إدارة الاختلافات وعملية التطوير، هو أكسير حياة هذه المؤسسات.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018