هل ستولّد انتفاضة القدس عقلا سياسيا إستراتيجيا جديدا؟

هل ستولّد انتفاضة القدس عقلا سياسيا إستراتيجيا جديدا؟

عوض عبد الفتاح

هذا سؤال لا يستطيع الذين يصنعون هذه الانتفاضه بأيديهم وعرقهم وجهدهم وأرواحهم الإجابة عليه، نظرياً أو التفرغ له؛ أي الذين يعاركون المستعمر في الشوارع والميادين.

بشكل عام، تولد لدى الشعوب حركات تقودها قيادات مركزيه وموحدة، حول رؤية واحدة واستراتيجية عمل، ووسائل نضال، تتبدل في مراحل مُعينة وفقاً لظروف المعركة. وفي خضم المعركة والفعل الثوري، تتبلور قيادات قاعديه وتكتسب المزيد من الخبرة، في إطار علاقة جدلية تفاعلية بين عقل القيادة وحركة الميدان. هكذا كان الحال في حركات التحرر الوطني وحركات التحرر الاجتماعي... خاصةً تلك التي انتصرت وحققت تحرراً لشعوبها. ونجد ذلك بكثرة في الدراسات المكتوبة والتجارب المدونة عن تجارب الشعوب التحررية... في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية في القرن العشرين، وقبلها تجارب ربيع الشعوب في أوروبا أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر، وصولاً إلى القرن العشرين. وفي تجربة فلسطين وشعبها، دروس لا تنضب منذ ثوراته في العشرينات من القرن الماضي حتى اليوم.

إنما المشكلة في الحالة الفلسطينية، تكمن في الفشل في الاستفادة من هذه التجارب وفصول الكفاح المتتاليه. لقد غابت التراكمية المعرفية عن القيادات السياسية الفلسطينية.

اليوم، يجد الفلسطينيون أنفسهم مرة أخرى، ربما المرة الخامسة أو السادسة (وأهل القدس خاصة)، يخوضون لوحدهم نضالاً شعبيا ضاريا في الدفاع عن الأقصى والقدس، في مواجهة المشروع الاستعماري الإسرائيلي الذي ابتلع المدينة بالكامل، ويكاد يسحب ما تبقى من سيادة جزئية على الحرم الشريف.

فالأنظمة العربية غائبة، متواطئة، عاجزة وبعضها متآمر، حتى قبل أن ينفجر غضب الشعوب وتستأسد عليها بوحشية منقطعة النظير. والسلطه الفلسطينيه تنحت عن قيادة الثورة الفلسطينية منذ سنوات طويلة، وباتت جزءا من بنية النظام الاستعماري، ومشلولة الإرادة والروح. وفي هذا المناخ، ازداد التمادي الإسرائيلي وزادت شهيه النهب، والسيطره والحصار.

لقد سجل المراقبون مفارقةً لافتة في هذا المشهد الكفاحي في القدس. حيث لا وجود للسلطة الفلسطينية المستقيلة من دورها ومسؤليتها التاريخية، في قيادة وتوجيه نضال الناس، وتحويلها إلى أداة ضبط وقمع لنضال شعبي حقيقي في الأراضي المحتلة. إذ يُصبح لهذا الغياب أفضلية لفلسطيني القدس ولغيرهم ممن يتمكنون من الوصول إليها، إذ يمنحهم حريه التمرد والمقاومة.

وفي هذا السياق، ينشط كوادر حركة فتح في المدينة وأحيائها، إلى جانب كوادر، من فصائل أخرى، وشرائح شعبية واسعة غير منتمية حزبيا أو فصائليا.

ولكن يجب التأكيد على أن هذا الحراك ليس فصائليا، إنما ذا طابع شعبي يلتحم فيه أهالي مدينة القدس مع أعداد كبيرة من فلسطينيي الـ48، حيث تتوحد قياداتهم في الانخراط في هذه المعركة السياسية الهامة.

وهذه الحالة، حيث تتأخر القيادة عن حركة الجماهير ليست جديدة، لا في الحالة الفلسطينية ولا العربية، ولا العالمية. فكثيرا ما تسبق الشعوب قياداتها، التي تهب متأخرة للانخراط في حركه الجماهير وتتبوأ قيادتها السياسية. والقياده السياسية، الموحدة والمؤهلة، هي حاجة وجودية لحركه الجماهير، وفي حالات معينه، تكون هذه القيادة وبالا على حركة الجماهير إذا ما افتقرت إلى الجرأة والحكمة، والمقدرة على التوجيه الصحيح، ولكيفيه استثمار المعارك الشعبية لتحصيل مطالب جزئية مرحلية وإسناد مراحل النضال اللاحقة وصولا إلى الانتصار.

كما أيضا يتطلب من القياده إتقان التراجع التكتيكي، في حالات معينة تفاديا لخسارات مجانية في الأرواح، أو خسارات سياسية، دون التفريط بالهدف الاستراتيجي أو الخطاب الوطني التحرري. القياده الحقيقيه لا تفرط بخطاب التحدي، ولا بمفراداته ذات المضمون التربوي والتعبوي والتثقيفي والبنائي، حتى في ظل الانحسار والتراجع.

من يتصدى للمهمة التاريخية؟

نقصد بالمهمه التاريخية. بلورة القيادة أو القيادات الموحدة، التي تقود الفعل النضالي، وتساهم في تحديد وصياغة المهمات الميدانية والسياسية، والأهم في ضمان ديمومة النضال وشموليته.

إن المعركه على الأقصى والقدس توحد الجميع... وتُحرج الجميع، وتدعوهم إلى تحمل مسؤولياتهم. غير أن التعويل على أن المهمة التاريخية المذكورة ستأتي من طرفي الانقسام، غير مجدٍ. وبالتالي فإن أهمية أن يواصل المقدسيون، بقيادتهم الشبابية والشعبية، والدينية، كفاحهم المشترك، بل توطيده، هو في غاية الأهميه. ويُضاف إلى ذلك دور القوى الوطنية والاسلامية من داخل الـ48 التي تلعب دورا مهما في هذه المعركة، وهو دور يستفيد من الحرية النسبية التي يتمتع بها هذا الجزء من شعب فلسطين في الوصول من بلداتهم داخل الخط الأخضر إلى المدينة والحرم الشريف.

المعركة في الأساس هي ضد الاستعمار والتهويد

لقد بات مصير البوابات الإلكترونية محتوما. إزالتها باتت مؤكدة. هذا بلا شك سيمثل نصرا شعبيا مهما. ولكن يجب أن يُنظر إلى سقوط هذه البوابات المهينة، كسقوط لأحد رموز السيطرة الاستعمارية على الأقصى والمدينة، وليس تحريرا للأقصى أو للقدس. النصر الأساس الذي تحقق في هذه المعركة هو تحرير الإرادة، هو تجدد الحركة الشعبية المقاومة. وإضافة مدماك آخر في عملية إعادة بناء المجتمع الفلسطيني المقدسي، وحركته المقاومة التي تجددت قبل عشر سنوات في سلوان ومن داخل الأقصى حيث يتفاعل فيها، بنسب متفاوتة، الفلسطينيون، من على جانبي الخط الأخضر. كما أنه نصرٌ بمفهوم إعادة قضية القدس وفلسطين إلى الأجندة العربية والعالمية.

وقد فشلت كل إجراءات القمع الاسرائيلية، مثل اعتقالات وأحكام بالسجن، واعتقالات إدارية، في وأد الحركة الشعبية. لم تُثنِ هذه الإجراءات الاستعمارية والتهويدية في البلدة القديمة والأحياء المحيطة بها، وغياب القيادة الفلسطينية وخيانة الانظمة العربية والدعم الأميركي، طلائع المدينة المناضلة عن النهوض والانتفاض.

ومن واجب الجميع، طرح الاسئلة الهامة بعد إزالة البوابات، وهي أسئلة تتعلق بكيفية الحفاظ على هذا النصر، أي استعادة وتطوير الزخم الكفاحي، الشعبي، وحالة التضامن الداخلي التي نشهدها. وكيف يُضمن تقدم الحركة النضالية الجديدة التي توطدت أكثر في مواجهة المشروع الاستعماري والتدميري للقدس، ومواجهة مجمل المشروع الكولونيالي الشامل الذي يخضع له كل الشعب الفلسطيني. إن إسرائيل تهدف إلى فرض التعايش مع الواقع الاستعماري بكل الطرق القمعية المباشرة والاحتوائية.

إن من واجب النخب المثقفه، الملتزمه بالنضال، مساندة هذه الطلائع الشعبية والشبابية والدينية التي تخوض المعركة على الأرض، مساندتها عبر توفير الاجتهادات السياسية والتنظيمية، والفكرية، وفي كيفية تطوير خطاب تحرري، نوصله إلى كل العالم... خطابا وطنيا وديمقراطيا وإنسانيا. هذا الخطاب يجب أن يُعيد توضيح عدالة قضية فلسطين، بأنها قضية تحرر وطني من احتلال استيطاني إحلالي.

أما على الصعيد الداخلي، والشعبي، فإنها فرصة أخرى لتطوير هذه المبادرات الشعبيه الكفاحيه، والفكريه، التي تنطلق من أسفل، اي من خارج البنى والهياكل الرسمية والفصائلية المترهلة. وفرصة لتعميم الدروس السياسية التي تأتي من هذا النضال، ونشرها بين الأجيال الشابة لزجها في المعركة، وخلق حالة تراكمية تتوالد عنها موجات متتالية من الفعل النضالي والموجات الانتفاضية.

لقد شهد الجميع كيف أن هذه المعركة الميدانية الشعبية، يلتحم فيها فلسطينيون من على جانبي الخط الأخضر، وهذا في الواقع استمرار لتواصل وطني تراكمي لصيرورة تجري ببطء وثبات، وقد حان الوقت لتطويرها إلى استراتيجيه واضحة، وعدم الاكتفاء بموسميتها... وخلق الأجسام والأطر التنسيقية الدائمة.

ما حصل في الأسبوعين الماضيين، يُؤكد مره أخرى أن فلسطين هي البوصلة، وهي القادره على توحيد الشعب والأمة، وقضيتها تستطيع أن تهز ضمير العالم إذا ما أجدنا إدارة نضالنا وأحسنّا بناء خطابنا السياسي؛ هل يتحقق ذلك؟ هذا هو التحدي الراهن.

القدس ليست محتلة فحسب، بل خاضعة للاستعمار.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018