الافتراء على الشهداء...

الافتراء على الشهداء...

سهيل كيوان

إن أسخف ما تروجّه بعض وسائل الإعلام وأذرعها، هو أن بعض الشبان يطلبون الشهادة لأجل دخول الجنة والفوز بالحوريات، هذا البعض السخيف يترك الاحتلال وموبقاته وممارساته اليومية ويردد فرية تافهة وهي أن الكبت الجنسي هو الدافع، وأنه فقط بتحرر المجتمع العربي من الكبت الجنسي ستختفي رغبة هؤلاء الشبان بالعنف والموت.

صحيح أنه يوجد قدسية للشهيد، وصحيح أن للشهداء درجة عالية في الجنة كالأنبياء والصديقين، وأن في الجنة كل ما تشتهي الأنفس من متع حسية، ولكن الجنة ومتعها الحسية ليست من نصيب الشهداء فقط، وممكن الحصول عليها دون قتال أو استشهاد ولا حتى الوصول إلى ساحة حرب.

الإسلام وعد المؤمنين المتقين الصالحين الصادقين بالجنة،

فالجنة بالأصل لمن يعمل خيرًا، وفي حديث للرسول الكريم أن أحدهم دخل الجنة لإطعامه قطة جائعة، وذكر آلاف المرات أن جزاء العمل الصالح هو الجنة، وهذا يبدأ من إماطة الأذى عن الطريق حتى قول لا إله إلا الله، وفي الحديث أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة.

ومن لم يشرك بالله دخل الجنة، لأن الله يغفر ما دون ذلك من ذنوب. وممكن دخول الجنة بمليون طريق من العمل الصالح مثل بر الوالدين واحترام حق الجار وإطعام الفقير وكفالة اليتيم أو كلمة حق في وجه حاكم ظالم وكف الأذى عن الناس أو السعي للصلح بينهم أو من خلال زكاة أو صيام أو حج أو صدقة جارية، مثل سبيل ماء أو شجرة مثمرة أو قطعة أرض يوقفها، أو حتى في طلب العلم، ففي الحديث أن الملائكة تظلل مجالس طلبة العلم بأجنحتها.

إن مجرد الإيمان بالله واليوم الآخر والكتب السماوية والرسل يُدخل الجنة، فما الذي يدفع شابًا أن يقتُلَ ويُقتلَ لدخولها! إذن هناك أسباب وعوامل موضوعية هي التي تدفع الشباب إلى قرار القتال والاستشهاد، علمًا بأن القتال كما ذكر في القرآن الكريم، مكروه، "كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم" صدق االله العظيم. إذن لماذا لا يتوقف البعض عند الادعاء أن الشباب يريد هذا كي يفوز بالحوريات! هناك من شغل هذه الماكنة الإعلامية بقصد تحويل قضية المقاومة كلها وكأنها نتيجة لكبت جنسي وطمع بالحوريات، هذه الفرية أطلقها الاحتلال وتبنتها أنظمة الاستبداد العربي التي شوهت كل من احتج على الظلم وقاومه ونعتته بأبشع الصفات مع التركيز على عامل الشهوانية الجنسية بعيدا عن القيم الروحية.

هذا التشويه للشهداء الكثير من "المثقفين" السطحيين الذين راحوا يسخرون في كتاباتهم وأشعارهم من الموت لأجل الحوريات متجاهلين بقصد وسبق إصرار الأسباب الحقيقية التي ترغم الناس إرغاما على الخروج لمواجهة الظلم والقمع، متجاهلين شيئًا اسمه الكرامة الوطنية والقومية والدينية والشخصية أو أنهم لا يشعرون به بما فيه الكفاية.

عنف الاحتلال واستهتاره بمشاعر ضحاياه الدينية والقومية والشخصية والوطنية وبمصالحهم، هو الدفيئة التي تنمو داخلها الرغبة بالقتال ولو أدى ذلك إلى الموت، إنهم ضحايا عنف دولة الاحتلال والاستبداد وليس الحلم بالحوريات.

لا نريد لأي شاب أن يُقتل، ولا نريد أن تزغرد أم في جنازة ابنها بل في يوم زفافه، نريدهم أن يعيشوا حياتهم مثل بقية البشر، نريدهم أن يتنافسوا على التحصيل العلمي.

نريدهم أن يسافروا ويتمتعوا وأن يروا غير قراهم ومخيماتهم ومدنهم المحاصرة، أن يروا العالم الواسع ببحاره وسمائه وجباله وثلوجه وأنهاره وغاباته وشعوبه.

نريد لهم أن يشعروا بالأمان عندما يخرجون من بيوتهم، وألا ينتظرهم حاجز عسكري فجائي وتفتيش وإذلال وربما قتل لمجرد الاشتباه بهم.

أن يفرحوا بخيرات أرضهم وأغراسهم، فيجدوها سالمة لم تمتد إليها يد المستوطنين العابثة، أن يتمتعوا بما غرس آباؤهم وأجدادهم، وأن يكون لهم الحق على أرضهم بالتطور والتوسع والعيش بحرية فوق ترابها وتحت ظل علمهم وشرطتهم وجيشهم وصناعتهم وزراعتهم وأماكنهم الدينية المقدسة مثل بقية شعوب العالم، وأن تكون أراضي أوقافهم وطوائفهم ملكا لهم وليست للمستوطنين والمرتزقة من كل جهات الأرض.

نريد الموت لهؤلاء الفتية ولا نريدهم أن يفكروا باقتناء سكاكين، ولا بالحصول على سلاح ناري أو التدرب على استعماله، لا نريدهم أن يلطخوا أيديهم بدماء أحد، ولا أن يصابوا وينزفوا حتى الموت، أو أن تكتظ السجون بهم. ولكن علينا أن نسمي كل شيء باسمه، فالذي يدفع هؤلاء للقتال هو الاحتلال المحرّض الأكبر على العنف، واقتلاع الاحتلال ورحيله سوف يمنح الفرص للجميع بدخول الجنة من أبوابها الأخرى من غير قتال وبالطرق السلمية، سواء كانوا مؤمنين بالجنة في الآخرة أو مؤمنين بجنة وطنهم على الأرض المجد والخلود للشهداء، والخزي والعار للاحتلال والاستبداد والظلم وللمفترين الرخيصين.