الفلسطينيون ينتظمون صوب قبلتهم الأولى

الفلسطينيون ينتظمون صوب قبلتهم الأولى

سليمان أبو إرشيد

لأسبوعين أو أكثر، حيّدت أزمة قطر وحرب سورية وصراع اليمن، وعادت فلسطين واحتلت القدس مجددا شاشات الفضائيات وعناوين الأخبار، لبرهة بدا أن الأمور ترجع إلى طبيعتها العادية وتتخذ السياسة مساراتها الصحيحة وينتظم الفلسطينيون صوب قبلتهم الأولى التي جمعت العرب والمسلمين.

سكتت أصوات النشاز أمام علو صوت الأقصى وصوت القدس وتكبيرات أبنائها وأبناء فلسطين، الذين صلوا في ساحات المدينة المقدسة خلف البوابات المغلقة، بعد أن رفضوا الدخول من بوابات الاحتلال الإلكترونية وغير الإلكترونية، فأسقطوا بصمودهم بواباته وكاميراته الغبية وكافة إجراءاته التي استهدفت المس بالوضع القائم في الحرم القدسي الشريف.

تلاشت في برهة الزمن تلك سلطة رام الله وسلطة غزة وغيرها من سلطات أمام سلطان الشارع، وتوحد الشعب والوطن من أطراف النقب إلى أعالي الجليل تحت راية القدس، ربما ليرسم ملامح مرحلة جديدة تعود فيها الأجزاء التي "بترت"، مثل القدس والـ48 إلى مواضعها الأصلية وتتجدد الدورة الدموية الكاملة في الجسد الفلسطيني. بوابات كشف المعادن التي نصبتها إسرائيل، كشفت أن الفلسطينيين في الجليل وغزة وفي النقب والقدس وفي الضفة والمثلث، هم من معدن واحد لا ينكسر ولا يلين.

هي مرحلة استدعتها السياسات الإسرائيلية المتجهة نحو التراجع حتى عن "قسمة ضيزى" التي وافق عليها الفلسطينيون في أوسلو، لصالح المزيد من الضم والالحاق وفرض السيادة الإسرائيلية وصولا إلى تأسيس نظام أبرتهايد على كامل فلسطين التاريخية.

وتظهر قسمات تلك المرحلة في الضفة من خلال سياسة تطهير مناطق جـ، التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية، والانتهاكات المتكررة لمناطق "أ"، ونزع المزيد من مظاهر السيادة فيها، وصولا إلى إسقاط هيبة السلطة الفلسطينية وتحويلها إلى مجرد وكيل أمني وكيان تابع، وفي الداخل بتشريع المزيد من الأنظمة والقوانين التي تعزز من يهودية الدولة وصهيونيتها وتميز ضد فلسطينيي الخط الأخضر وتنتقص من مكانتهم ومواطنتهم.

وهي بهذا المعنى توحد الأرض ومنظومة القوانين وتستبدل الفصل الجغرافي بين إسرائيل وبين الكيان الفلسطيني المفترض أنه وليد أوسلو، بفصل قانوني بين الإسرائيليين وبين جموع الفلسطينيين في مختلف مواقعهم، إنها دينامية يقابلها توسع قاعدة اللقاء الفلسطيني ليس فقط في البرامج والإستراتيجيات، بل في العمل المشترك وآليات ومسارات الكفاح اليومي وأساليب النضال، في حين تشكل القدس بما تمثله من ثقل معنوي نقطة اللقاء تلك.

وفي هذا السياق، فإن عملية القدس وأحداث القدس الأخيرة كشفت عن الدور والقوة الكامنة للداخل الفلسطيني، ليس فقط في الدفاع عن القدس والأقصى وبشتى الوسائل، بل في توجيه البوصلة وإعادة رسم خارطة الطريق الفلسطينية بعد حالة التشتت والضياع التي أحدثتها عملية أوسلو.

لقد عادت جماهير 48 التي فرحت لليسير الذي حققه شعبنا، رغم أنها كانت تعض على نواجذها غضبا عندما جرى التخلي عنها في أوسلو، بعد أن جرى تدمير أوسلو وإجهاض حل الدولتين من قبل إسرائيل، عادت بما يحمله هذا الرقم من تاريخ وجغرافيا لتحتل الموقع المحفوظ لها في قلب القضية الفلسطينية، بعد أن فشل للتاريخ في القفز عنها لأنها تشكل نقطة البداية والنهاية في دائرة الصراع الفلسطيني/ العربي- الصهيوني، والذي يدخل في عهد الصهيونية الدينية مرحلة جديدة تتجه نحو إلغاء التقسيمات الجغرافية وتؤسس لنظام أبرتهايد في كامل فلسطين التاريخية.

هي مرحلة جديدة يفترض بالطلائع السياسية استشراف آفاقها والاستعداد لخوض غمارها وترشيدها ووضع الخطط والإستراتيجيات المتناسبة معها، لأنها تندفع بسرعة تفوق زحف القيادات، يشعلها الأفراد ويقودها غضب الناس ونفاذ صبرهم من حياة القهر والإذلال، وهي عابرة للخطوط الحمر والخضر التي صنعها الاستعمار الكولونيالي، لا تميز بين أم الفحم وكوبر أو بين عارة ودير أبو مشعل والناصرة.