التناوب والمشتركة والمشروع الموهوم

التناوب والمشتركة والمشروع الموهوم

سليمان أبو إرشيد

عندما تسقط الشعارات الكبيرة، التي طالما جرى التشدق بها تحت أرجل "نصف كرسي" أو "ربع كرسي" كنيست، يصبح من حق جماهيرنا أن تكفر بالعمل البرلماني وغير البرلماني، وبمفرداته وتنظيماته السياسية الوطنية وغير الوطنية.

كل شيء مباح في لعبة الكراسي، بما فيها الكذب والمراوغة والتسويف والتهرب من الالتزامات، والإخلال بالوعود وخيانة العهود، حيث يتضاءل "المشروع الكبير" أمام النزعات الفئوية الصغيرة التي بني عليها المشروع الوهمي، أصلا، في خدمتها.

قبل أشهر فقط، كانوا ليسخروا ممن يقول، إن مشروع القائمة المشتركة بني على قاعدة رفع نسبة الحسم، أو هي بتعبير عودة بشارات ("هآرتس")، قائمة صنعها ليبرمان وجرى تسويقها على أنها "إرادة شعب" و"تحالف إستراتيجي" واستثناء كاسر لقاعدة الراهن العربي والفلسطيني.

لقد سقطت تلك الشعارات عند أول امتحان يفترض أن يترجل فيه عضو كنيست أو أكثر عن كرسيه. وفي هذا المقام لا يسعنا إلا أن نقول للمراهنين في الخارج، من الغارقين في نظرتهم الحالمة حول "مدينتنا الفاضلة" أمثال الكاتب اللبناني الياس خوري، أن "ارحمونا من هذا الحب القاتل" فكلنا في الهم شرق، وربما هي المنظومة الإسرائيلية الواقعين تحتها هي التي تضبط بعض أو غالبية نزعات الجموح الموروثة المتأصلة فينا، أسوة بغيرنا من أبناء شعبنا وأمتنا.

ونحن إذ نقدر للكاتب الكبير حرصه على وحدة جماهيرنا الواقعة تحت المواطنة الإسرائيلية، واحترامه لتجربتهم/نا، فإن تعابير مثل "أنموذجا ومنارة.... وتجربة الصامدين في فلسطين 1948، كانت أشبه بالأعجوبة..."، رغم تفهمنا لدوافعها ونبل منطلقاتها، لكنها تدخل في سياق تضخيم هذا الدور وتفخيمه دون طائل.

لعل عتمة ليل الواقع العربي والفلسطيني هي التي تجعل أمثال خوري يبحثون عن نقطة ضوء ربما يرونها في مناطق الـ48، وفي القائمة المشتركة التي جرى تسويقها على أنها تجربة فريدة جمعت أطراف الطيف السياسي الفلسطيني في الداخل بألوانه التي لا تختلف عن ألوان الواقع العربي والفلسطيني المشرذم، بفارق وحيد هو نسبة الحسم.

لقد بقيت القائمة المشتركة محكومة بالنشأة ولم تستطع أن تطور رؤيا موحدة، خارج نسبة الحسم، قادرة على استبدال الهدف الانتخابي بأهداف وطنية حقيقية تشكل ناظما لعملها المشترك. لذلك بقيت مسألة توزيع الكراسي وضمانها هي الصمغ الذي يجمع الشركاء، على تباين التزامهم الأخلاقي والوطني في إطارها.

نجدنا نبتسم ونحن نقرأ ما يرد في مقال إلياس خوري عن القائمة المشتركة، على غرار: "الرفاق الذين صنعوا بجهدهم وصبرهم هذا الإنجاز"... و"التركيز على التناقض الرئيسي مع النظام الصهيوني العنصري، والنضال من أجل المساواة والحقوق وعلى رأسها حق أبناء القرى المهجّرين في العودة إلى قراهم، مقدمة لتأكيد حق عودة اللاجئين الفلسطينيين".

إلا أن الابتسامة تتحول إلى حزن، عندما يسمع المرء رئيس لجنة المتابعة، محمد بركة، يداور مذيع راديو الشمس الذي يحاول دون جدوى، انتزاع موقف منه يقر بواجب تنفيذ الأطراف ذات الصلة، والمقصود الجبهة والعربية للتغيير، لاستحقاق اتفاق التناوب من خلال تقديم استقالات الأعضاء والمرشحين المطلوبة لتنفيذ ذلك.

بركة يتمترس خلف منصبه - رئيس لجنة المتابعة – مدعيا أن موقعه "يمنعه" من الانحياز لطرف دون الآخر في مسألة خلافية مثل قضية التناوب، حرصا على "الوحدة الوطنية"، لكنه لا يتورع عن زجر محاوره عندما يحاول وضع القضية عند موضوع استقالة يوسف العطاونة (مرشح الجبهة)، ولا يخفي تنكره لصيغة 4 – 4 - 4- 1، ومتناسيا أنه قبل أسابيع فقط داس برجليه الاثنتين على هذه الوحدة، عندما قام بزيارة تعزية إلى بيوت عزاء عناصر شرطة إسرائيل الذين قتلوا في عملية الأقصى.

كان حري برئيس الهيئة العليا للعرب في إسرائيل، أن يتمتع بقدر من النزاهة تؤهله أن يكون حكما ينهي ملف قضية تستنزف وقتا وجهدا غير قليل، عوضا عن أن يكون خصما منحازا يقامر بمصداقية المتابعة أيضا بعد انهيار مصداقية المشتركة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018