غزّة: الحصار ليس إشكالية عدديّة

غزّة: الحصار ليس إشكالية عدديّة

قمر طه

ضجّت مواقع عربية وحقوقيّة، منتصف العام الجاري، بعنوان ضخم شبه موحّد "10 سنوات على حصار قطاع غزّة"؛ وفي محاولة لإبراز معاناة الغزيّين المستمرّة، انبرت المواقع في تعداد إحصائيات توضح حجم المأساة هناك، لكن الأسبوعيين الأخيرين في القطاع أثبتا أن الحصار ليس إشكاليّة عدديّة ولا إحصائيّة، ولا يمكن التعبير عنه أو معرفة الألم الذي يعتمل قلوب الغزيين دون الاقتراب من النّاس، من الأحلام التي إن لم تقتلها الغارات والقنابل... قتلتها الحدود المغلقة.

الأسبوع الماضي، انتشر خبر سيئ في القطاع، أولًا، ومن ثمّ في المنطقة ككل، كالنار في الهشيم: الكاتب الغزّي الشاب والواعد، مهنّد يونس، الذي تجاوز الثانية والعشرين من عمره بقليل، وضع حدًا لحياته.

لم تكن المحاولة التي وضعت حدًا لحياة مهنّد هي الوحيدة، فالشاب الصيدليّ، الذي حاز غيرَ مرّة على جوائز تكريميّة لقصصه القصيرة التي كتب، وكان مرشّحًا لجائزة مؤسسة عبد المحسن قطّان العريقة؛ حاول، غيرَ مرّة، كذلك، وضع حدٍ لحياته، كما حاول مرات عديدة مغادرة القطاع لتطوير قدراته الكتابيّة وتحقيق حلمه، هروبًا من الواقع البائس في قطاع غّزة الذي قال عنه في نصوصه إنه "لا يمكن النجاة منه".

لاقت حياة مهنّد فانتحاره صدىً كبيرًا في القطاع وعموم الوطن العربيّ، لكنّها ليست الوحيدة، فوفقًا لصفحة "لسنا أرقامًا" التي يديرها شباب غزيّون، فإن مهنّد انضم إلى "موجة انتحار" تسود بين شباب القطاع، حيث يصل معدّل البطالة في أوساط الشباب ما تحت الثلاثين عامًا 60%، وحيث أن احتمالات المغادرة للتعلّم، أو لصقل الذات أو لمجرّد عطلة تؤول إلى الصّفر، وحيث تصبح النشاطات اليومية شبه مستحيلة مع القطع المستمر للكهرباء عن القطاع، وحيث تشن إسرائيل عدوانا كل بضع سنين، وحيث يبدو أفق الأمل وتحقيق الفرص بعيدًا وضيّقًا جدًا.

حيث تتواجد كل هذه المعاناة فإن النتائج المأساوية تصبح شبه حتميّة.

شاب آخر لاقت وفاته صدىً لا يقل عن صدى انتحار مهنّد يونس، هو رسام الكاريكاتير معاذ الحاج (30 عامًا)، الذي وجد وقد فارق الحياة في بيته بالقطاع لسكتة قلبيّة ألمّت به.

معاذ، الذي فقد والديه وهو طفل صغير، يُعرف بشكل واسع في أوساط المثقفين الفلسطينيين، لرسوماته الثريّة بالتعبيرات، التي تعبّر ببساطة عن تعقّد الحياة ومأساويّتها في القطاع خصوصًا بين الشباب، التي لاحقتها رسوماته وعبّرت عنها "حتى قضت عليه بسكتة قلبيّة"، وفقًا لما عبر عنه ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي هذا السياق، لا بد من التذكير أن غالبية مطلقة من سكان القطاع هم من الشابات والشباب، كما أن 42% من سكان القطاع هم أطفال تحت الخامسة عشر من أعمارهم؛ وهو جيل يملؤه الأمل والصبو لتحقيق الذات ومفعم بالحيويّة والمؤهلات والقدرات، التي يعمل حصار الاحتلال المتواصل والمتفاقم عاما بعد آخر على قتلها بين الحدود والحواجز المغلقة.

لم التقِ بمهنّد ومعاذ، لكن يُحتّم علينا جميعًا نقل الأمل والطموح والعمل من أجل غاية محدّدة عند كل منهما وهذه القدرة الفائقة على التعبير عما يعتمل صدورهم برسومات أو نصوص بسيطة التكوين عميقة المغزى، إلى الوطن العربي والعالم ككل، كمثال بسيط لمليوني غزي يعانون الوضع ذاته، هم ليسوا إحصائيّة، بقدر ما هم بشر وفنانون وفنانات، رسامون ورسامات، رياضيون ورياضيات، أدباء وأديبات، رسّامون ورسامات وصحافيّون وصحافيات ومبادرون ومبادرات وشعراء وشاعرات.