حول مهرجاناتنا الفنية المختلطة

حول مهرجاناتنا الفنية المختلطة

سهيل كيوان

لا تمر بضعة أشهر حتى تطفو على السطح مشكلة مهرجان فني أو عرض مسرحي أو سينمائي، والحجة دائما هي نفسها، الاختلاط بين الرجال والنساء والشباب والصبايا في هذه اللقاءات. وفي الشهر القادم سيكون في مجد الكروم مهرجان تحت اسم "ليالي مجد الكروم"، بدأ البعض منذ الآن بالتحريض ضده.

هذه المهرجانات تمنح الناس من كل الأجيال فرصة للاستمتاع بالفن وتضفي أجواءً من الفرح والراحة النفسية والمتعة على المشاركين.

المنتقدين والمعارضين هي بأن المهرجانات تتحول إلى لقاءات للتعارف بين الشباب والصبايا والرجال والنساء والنظر والسمع إلى المحرمات وغيرها من الحجج الأخلاقية، ووصف بعضهم بأنهم في المهرجان يتزاحمون ويلمسون بعضهم ويدخلون ببعضهم البعض.

يبدو أن هؤلاء يتجاهلون الواقع بقصد ويحبون البقاء في مكان مريح لهم، تم تكريسه من خلال بعض الأدبيات الدينية الأشد انغلاقا.

هؤلاء الناس عاجزون عن مواجهة الواقع فيفرّون إلى إدانة ومهاجمة الحلقة الأضعف وهي المهرجانات الفنية، التي تتحول لدى البعض إلى موضوعة للخطب العصماء يتخللها المسّ اللفظي بأعراض المشاركين وكرامتهم من خلال وصفهم أو وصف ذويهم بأوصاف غير لائقة.

معظم المحرضين هم شبان تقتصر ثقافتهم على التلقين، فيكررون ما يسمعون دون درس ولا تمحيص ولا مقاربة مع العصر الذي يعيشون فيه، وبتنكر حتى للجغرافيا والزمان والمكان فيكررون مقولات منقولة لا تمت لحاضرنا وماضينا وبلادنا بصلة.

ألا ترون حضراتكم أن أبناء الأجيال التي دخلت المدارس منذ الابتدائية ثم الثانوية ثم الجامعة في العقود الخمسة الأخيرة على الأقل جميعهم اختلطوا بزملائهم وزميلاتهم، إذ أن الاختلاط بين الذكور والإناث يبدأ من الحضانة حتى التخرج من الجامعات ثم العمل، وهذا يشمل حصة الدرس والنقاشات والرحلات والألعاب وحفلات التخرج والعمل وغيرها!

ألا ترون أن معظم أهل بلدكم يشاركون في الأعراس في قاعات يتخللها موسيقى ورقص وضيافة بدون فصل بين رجال ونساء إلا ما ندر، فالشاب يرقص مع خطيبته أو زوجته والرجل يرقص مع أخواته وبناته وقريباته وأمام الجميع، وقبل القاعات ألم يكن صف السجة الفلسطينية الفولكلورية من الرجال يطوف طرق القرية كلها بينما عشرات النساء في ذيل الصف حول العريس لا يفصلهن عن الرجال سوى خطوات، يهزجن وينشدن بينما والدة وأخوات العريس وقريباته يرقصن أمام الصف ربما جدتك أو والدتك واحدة منهن!

ألا يرى هؤلاء المعارضون أعداد النساء والفتيات اللاتي يخرجن صبيحة كل يوم من البلدات العربية إلى العمل في الوظائف والمصانع سواء بالسيارات الخاصة أو بالحافلات أو القطارات!

هل يعرف هؤلاء أعداد الفتيات اللاتي يخرجن في المواصلات العامة والخاصة للدراسة في الكليات والجامعات صبيحة كل يوم!

هل يعرف هؤلاء عدد الطالبات العربيات في مساكن الطلبة في جامعات القدس وتل أبيب وحيفا وبئر السبع وصفد ونتانيا ورمات غان وغيرها، وكم أعدادهن في الشقق المستأجرة للعيش فيها طيلة فترة الدراسة!

هل يعلم هؤلاء أنه لا رقابة على هؤلاء الفتيات سوى رقابتهن الذاتية وما تزودن به من حصانة داخلية وقناعات ذاتية.

هل يعرف هؤلاء أعداد الفتيات العربيات اللاتي درسن وما زلن يدرسن في الأردن وفي البلدان الأوروبية وأميركا بما فيها جاراتهم وقريباتهم.

هل يوجد فصل بين الجنسين في الأسواق والشوارع والمتنزهات وعلى شاطئ البحر والشارع العام وفي المراكز التجارية وفي سوق أو ميناء عكا مثلا!

ما دام أن كل هذا غير قابل للنقض أو الرفض فلماذا الإصرار فقط على محاربة المهرجانات الفنية التي تكون عادة بمشاركة الأسر كاملة وفي مكان مفتوح والجميع تحت أعين ورقابة الجميع؟

أعتقد أن السبب الحقيقي للهجوم هو في الأفكار المعلّبة التي لا يريد هؤلاء الأخوة الإقلاع عنها، يتمسكون بها مثل بضاعة انتهى تاريخها، وبما أنهم عاجزون عن التأثير في الميادين التي ذكرناها ولا يستطيعون مسّها، فلم يبق لهم سوى المهرجانات الفنية الموسمية لمهاجمتها.

يعاني مجتمعنا من ضغوط كثيرة وخصوصًا الجيل الشاب، أزمة سكن وازدحام وعنصرية وقلق على المستقبل، فنرى بعضهم يحاول التفريغ في ألاعيب بهلوانية بالسيارات والتراكتورات الصغيرة والدراجات النارية وحتى الاستهتار بقيمة الحياة، الأمر الذي يترجم إلى عنف وضحايا، وبعضهم يهرب للسهر في المدن اليهودية للحصول على لحظات من الحرية والتنفس، بعيدًا عن أعين الرقباء، وبعيدا عن الأجواء الخانقة ولفقرنا في النشاطات الثقافية والرياضية والفنية في بلداتنا.

من يصف المهرجانات الفنية بأنها أمكنة للفسق وقلة الحياء فعليه أن ينظف تفكيره وأن ينظر إلى الأمور من زاوية مختلفة وأن يذوّت بأنه لن يستطيع إعادة عجلة الزمن إلى الوراء، ومن أصرّ على ذلك لم يحصد سوى الخراب له ولشعبه وللآخرين، الأصح هو في استيعاب التغييرات الاجتماعية والتعامل معها بواقعية، فمن تحاصره وتمنعه من الاختلاط في مهرجان فني سوف ينكفئ إلى غرفته مع هاتفه الذي يقدم له العالم في حضنه، ليبحر من هناك إلى الأمكنة التي حُرم منها، وربما إلى أمكنة أكثر خطرًا.

لسنا أوروبيين ولن نكون، ولكن لسنا في السعودية ولا في أفغانستان، التمسك بأصولنا وتقاليدنا واجب وضرورة لحماية أنفسنا، ولكن في الوقت ذاته علينا أن نفهم بأن التشدد والتزمّت كارثي، وسيؤدي بأصحابه إلى صدمة مؤلمة مع الواقع.

أحد مضطر لحضور مثل هذه النشاطات، وما من قوة ترغم أحدًا على ذلك، ولكن ليس من حق أحد أن يحرّض أو يعيب على المشاركين فيها أو يصفهم بأوصاف غير لائقة، ونذكّر هؤلاء الذين يدّعون اشمئزازهم من العنف ويتساءلون عن مصادره أن المسافة بين التحريض اللفظي على الآخرين والعنف الجسدي قصيرة جدًا.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018