همسة للشباب في يوم المسن

همسة للشباب في يوم المسن

سهيل كيوان

احتفل العالم في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر بيوم المسن العالمي، وهو تقليد أقرته الأمم المتحدة منذ العام 1991.

لا أكاد ألتقي ببعض من اقتربوا من عقدهم السادس أو تجاوزوه حتى يعبّروا عن قلقهم بالنسبة لما ينتظرهم في برد خريف العمر وشتائه، وخصوصًا أولئك الذين لم يكن عملهم في مؤسسة منظمة تضمن لهم حقوقهم، فإما أنهم عملوا في أمكنة لم تدفع عنهم توفيرات الشيخوخة كما يقضي القانون، وإما أن بعضهم سحب توفيراته مبكّرا ليس لأجله بل لدعم أبنائه في بناء أو اقتناء بيت أو زواج أو شراء قسيمة بناء أو لتعليمهم في جامعات البلاد والخارج.

بعض المسنين يجدون مصدرا يتكئون عليه من توفيرات أو عمل في مهنة أو تجارة حرة خفيفة، وبعضهم لديه راتب تقاعد مبكر كالمعلمين وموظفي البلديات، يمررون فيها السنوات المتبقية لبلوغهم السابعة والستين حيث يتلقون مخصصات الشيخوخة من مؤسسة التأمين الوطني التي بالكاد تغطي الحاجات الأساسية، وبعضهم ليس لديه ما يتكئ عليه قبل بلوغه سن تأمين الشيخوخة، وبات غير قادر على العمل وليس بحوزته مهنة تلائم سنه يعتاش منها، وقد يستحق ما يسمى مستحقات إتمام الدخل، وهذه عملية معقدة تقضي بأن لا يملك المسن شيئا باسمه باستثناء منزله، أي أنه إذا كان يملك أرضًا أو بيتا إضافيًا أو ميراثا، فعليه أن يوزعه بين أبنائه وبناته ليستطيع الحصول على مخصصات استكمال الدخل.

هكذا بعد أن كان هذا الرجل عمود بيته ويعطي لأولاده ويساعدهم في تأسيس أنفسهم وتثبيتهم، فجأة يجد نفسه في مواجهة واقع جديد وبأنه بات بحاجة لأبنائه، ولكنهم مشغولون بأسرهم وفي بناء وتحقيق أنفسهم.

أخي الشاب والكهل، يجب أن تعي بأن الزمن متقلب ولن تبقى قويا ومنتجا وقادرا على إعالة نفسك بنفسك إلى الأبد، وكما ترى، فإن ما يدفعه التأمين الوطني للمسنين بالكاد يكفي لمتطلبات الحياة الأساسية فلا تستهتر، لا تقل إن الشيخوخة بعيدة و"ليوم الله بعين الله"، النعم بالله، ولكن عليك بأن تعمل وتعدّ نفسك لمرحلة الشيخوخة فهي ليست بعيدة كما قد تظن، طالب بحقك بالتوفيرات في أمكنة العمل حسب ما ينص القانون عليه ولا تتنازل عنها خصوصًا عند المشغلين العرب الذين يستهتر الكثير منهم بهذه القوانين.

هذا في الجانب الاقتصادي، أما في الجانب السياسي، فمن كانت أعمارهم في النكبة خمسة عشر عاما فقد تجاوزوا الثمانين، وهم أقلية داخل شريحة المسنين، وهذا يعني أن روايتنا الشفهية من شهود عيان عن النكبة في طريقها للاندثار، فكل شخص يرحل تدفن معه حكاياته وقصصه وشهادته من يوم النكبة وقبيلها وخلالها وبعدها.

كذلك لدينا جيل عاش فترة الحكم العسكري التي استمرت من عام 1948 حتى العام 1966، وهذا يعني أن أبناء خمسة وستين عامًا فما فوق يذكرون حقبة الحكم العسكري جيّدا، ويذكرون ما كان يجري في القرى العربية الباقية والمهجرة وكل ما يتعلق ببقائنا في وطننا، كذلك فإن الجيل الذي ولد في الخمسينات يستطيع جمع ما سمعه من مسنين عموم أو من والديه بشكل خاص وهذا ضروري جدا.

لقد جمع الدكتور عادل مناع قصصًا شفوية كثيرة خصوصًا من قرى الشمال ومن بلده مجد الكروم في كتابه المهم "نكبة وبقاء"، ولكن هناك آلاف القصص التي لم تُجمع بعد، علينا واجب العمل على جمعها سواء بالفيديو أو بالقلم والدفتر والصورة، هذا واجب وطني وإنساني لكل واحد ما زال في بيته مسن، قد يظن البعض أن هذا غير مهم فقد ولى زمانه، وهذا غير صحيح، فكل قصاصة ورق قديمة وصورة ووثيقة مهما كان وضعها، مثل أوراق دفع الضرائب لحكومة الانتداب البريطاني أو أوراق من الحقبة العثمانية، أو حجج واتفاقات بيع وشراء أملاك، أو إعلان في صحيفة، كل التفاصيل مهمة وقد تحتاجونها أنتم أو أبناؤكم في يوم ما، ربما أن قصة صغيرة تظنونها تافهة تتقاطع مع رواية مهمة أخرى فتعززها وتكون بمثابة شهادة تمنحها المصداقية.

كيف يفعل اليهود في كل تفصيل صغير من تاريخهم الحديث خصوصًا في أوروبا، حتى أصغر التفاصيل التي تبدو تافهة تتحول مع مرور الزمن إلى أمور غاية في الأهمية والحساسية. ومن لا يستطيع أن يدون ويجمع بنفسه، فممكن أن يستعين بصحافي أو كاتب أو أي مهتم بالشأن العام ليسجل هذه الشهادات (أنا جاهز مثلا).

الجيل السابق أعطى أقصى ما يستطيع إنسان أن يعطيه لأبنائه وأسرته، صمد في أقسى الظروف وتحمل أظلم ولكنه أسهم بإنجاب عدد كبير من الأطفال إذ كان يصل عدد أفراد الأسرة الواحدة إلى عشرة أنفار، ولأجل هذا عملوا في أقسى الأشغال من بناء وفتح طرق ومقالع حجارة وغيرها.

في اليوم العالمي للمسن ننحني لكل مسني شعبنا تقديرا واحتراما فهم جذورنا الطيبة الحيّة، وهم الأصول التي علينا وواجبنا أن نقدرها بما تستحقه من تقدير واحترام ورعاية واهتمام.