مذبحة الدوايمـة: بعض المسكوت عنه حول مجازر الصهيونية (1-2)

مذبحة الدوايمـة: بعض المسكوت عنه حول مجازر الصهيونية (1-2)

توطئة: اليهود أيضًا... ارتكبوا أعمالًا نازيّـة

ننقل هنا ترجمة لمقالة كتبها الباحث الأكاديمي الإسرائيلي يائير أورون قبل نحو عام حول استمرار الصمت الإسرائيلي المُبرمج على إحدى أكبر المجازر التي ارتكبتها الحركة الصهيونية عام 1948 في قرية الدوايمة الفلسطينية قضاء الخليل.

ووفقًا لما يكتبه أورون، مستعينًا باقتباسات عن مؤرخين إسرائيليين، وقعت هذه المجزرة يوم 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1948، خلال عملية "يوآف" التي نفذها الجيش الإسرائيلي، وأدت إلى نزوح سكاني كثيف عن المنطقة. وهو ينقل، عن لسان أحد الذين شاركوا في الهجوم على القرية، أن نحو 80 - 100 شخص، بينهم نساء وأولاد، قتلوا جرّاء موجة الغزاة الأولى.

كما ينقل وصفًا للمذبحة عن صحيفة "عل همشمار" الإسرائيلية اليومية، جاء فيه على لسان أحد الجنود الذين كانوا شهود عيان على ما حدث:

"بقي في القرية رجال ونساء عرب حاصرهم الجنود داخل البيوت وتركوهم دون طعام أو شراب. بعد ذلك جاء خبراء متفجرات وأُمروا بنسف البيوت على رأس من فيها. أحد القادة أمَرَ خبير متفجرات بإدخال امرأتين مسنتين إلى أحد البيوت المزمع نسفها على من فيها. رفض خبير المتفجرات وقال إنه غير مستعد لتلقي الأوامر سوى من قائِدهِ المباشر. عندئذ أمر القائد جنوده بإدخال المرأتين المسنتين لينفذ بعد ذلك هذا الفعل الدنيء. أحد الجنود تفاخر بأنه اغتصب امرأة عربية وأطلق الرصاص عليها. كان ثمة امرأة تحتضن طفلا وضعته في نفس اليوم، أُجبرت على تنظيف الساحة التي يتناول الجنود فيها طعامهم. وبعد مرور يوم أو يومين من عملها أطلقوا الرصاص عليها وعلى طفلها الرضيع. ويروي الجندي أن قادتهم الذين يُنظر إليهم في المجتمع كأشخاص مهذبين ومتحضرين، تحولوا إلى قَتَلة سَفَلة، ولم يكن ذلك في خضم عاصفة قتال أو ثورة غضب، وإنما انطلاقا من نهج يقوم على الطرد والإبادة. فالمهم والمرغوب هنا بقاء أقل ما يمكن من العرب. هذا المبدأ شكل المحرك السياسي لارتكاب سائر أعمال الطرد والفظائع التي لا يعارضها أحد، سواء في صفوف الهيئة المكلفة بقيادة العملية، أو في صفوف القيادة العسكرية العليا. لقد مَكثتُ شخصيًا في الجبهة مدة أسبوعين واستمعت إلى قصص على لسان جنود وقادة تنم عن تفاخر وتبجح بتفوقهم في أعمال مطاردة وقنص "فرائسهم". كان الإجهاز على العرب، بصورة عبثية وعشوائية، وفي كل الظروف، يشكل مهمة جليلة، وكانت ثمة منافسة على الفوز في هذه المهمة".

ووصف المجزرة أيضًا مختار الدوايمة سابقًا، في مقابلة أجرتها معه صحيفة "حداشوت" اليومية الإسرائيلية في عام 1984 ونشرها موقع جمعية "زوخروت" (ذاكرات) الذي يقوم بتوثيق أعمال الذبح والطرد عام 1948 وبعده. وقد استعاد المختار ذكرياته فقال إن "الناس فروا وأطلق الإسرائيليون النار على كل من شاهدوه في المنازل وأردوه قتيلًا. وقتلوا الناس في الشوارع أيضًا. وفجّروا بيتي على مرأى من شهود عيان". وأضاف المختار أنه "ما إن دخلت الدبابات القرية وأطلقت النار حتى غادرتُ القرية. وفي الساعة العاشرة والدقيقة الثلاثين تقريبًا، مرت دبابتان أمام مسجد الدراويش، وكان فيه نحو 75 رجلًا مسنًا جاؤوا باكرًا لتأدية صلاة الجمعة. تجمعوا في المسجد للصلاة، فقُتلوا جميعًا". وذكر المختار أيضًا أنه كان ثمة نحو خمس وثلاثين عائلة تختبئ في الكهوف خارج الدوايمة، وكان بعضها فرّ من قرية مجاورة احتلت سابقًا. فلما اكتشفت القوات الإسرائيلية وجود هذه العائلات "أمرتها بالخروج والاصطفاف، ثم البدء بالسير. وما إن بدأت السير حتى أُطلقت نيران الرشاشات عليها من جهتين. وقد أرسلنا ناسًا تلك الليلة فجمعوا الجثث، ووضعوها في بئر ثم دفنوها".

في عام 1984 رجع هذا المختار إلى موقع قريته، لأول مرة منذ وقوع المجزرة وبيّن لصحافي إسرائيلي موضع منزله سابقًا، وموقع البئر التي دفنت الجثث فيها. وبعد أيام قليلة، عاد الصحافي مع أربعة عمال، وحفروا قليلًا فاكتشفوا عظامًا بشرية بينها ثلاث جماجم، إحداها جمجمة طفل، ولم يواصلوا الحفر.

يشير أورون إلى إجراء بعض التحقيقات فيما يتعلق بمجزرة الدوايمة، لكنه لا يذكر النتائج التي أسفرت عنها، ذلك بأنها كانت في جملتها بلا طائل، وانتهت بـ"تأديب" بعض الجنود.

كما يشير إلى أن أحد الأصوات البارزة التي ارتفعت وقتئذ ضد ما تم ارتكابه من أعمال قتل ولا سيما في كل من اللد والدوايمة، كان صوت وزير الزراعة الإسرائيلي حينئد، أهارون تسيزلينغ، والذي أدلى بأحد التصريحات الأكثر خطورة التي لم يسمع مثيل لها على الإطلاق حول مائدة الحكومة.

وجاء على لسان هذا الوزير قوله في جلسة الحكومة الإسرائيلية التي عقدت في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1948:

"تلقيت رسالة من شخص واحد فيما يتعلق بهذا الموضوع (المذبحة). يتعين عليَّ القول هنا بأنني كنت على معرفة وإطلاع على الوضع في هذه المنطقة لدينا، وقد طرحت هذا الأمر في غير مرة على هذه المائدة. بعدما قرأت ما ورد في الرسالة التي تلقيتها، لم يغمض لي جفن طوال الليل. شعرت أن شيئًا ما قد حدث تأذت له روحي وروح بيتي وأرواحنا جميعا هنا. لم أستطع أن أتصور من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون (...) لم أوافق دائما عندما ألصقوا بالانكليز كنية نازيين. لم أكن أرغب في استخدام هذا التعبير تجاههم، على الرغم من أنهم ارتكبوا أفعالًا كأفعال النازيين. ولكن مثل هذه الأفعال النازية أُرتكبت أيضًا على أيدي يهود، وهو أمر هز كياني بأكمله. نحن مضطرون للتلوّن أمام العالم، ولذلك فإنني أوافق على أن لا نكشف بأننا نحقق في مثل هذه الأعمال، لكن ينبغي التحقيق فيها".

هنا الجزء الأول من مقالة أورون:

قصة كسر صمت

عمره نحو 70 عامًا

في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1948 نشر الشاعر نتان ألترمان في زاويته "العمود الأسبوعي" في صحيفة "دافار" قصيدة بعنوان "حول ذلك".

فيما يلي ترجمة النص الكامل لهذه القصيدة:

حول ذلِكَ

اخترقَ البلدةَ المحتلة على ظهر سيارة الجيب،

فتى جريء ومسلح.. مثل الشبل!

وفي الشارع المُقفر،

التصق شيخ وامرأة في الحائط الذي أمامه.

تبسم الفتى فافترّ ثغره عن أسنان لبنية:

"فلأجرِّب الرشاش".. وجرَّب.

ما إن أخفى الشيخ وجهه بيديه..

حتى غطت دماؤه الحائط.

أعزّائي، إنها صورة من معارك الحرية،

وهناك أشدّ منها وأدهى. هذا ليس سرًا.

حربنا تستدعي التعبير والأغاني…

حسنا ! فليُغنَ لها إذًا أيضًا حول ذلك!

وليُغنَ لها إذًا عن "الحوادث اللطيفة"

التي تسمى، بالمصادفة، قتلًا.

وليُغنَ عن أحاديث السامعين المدركين،

عن ابتسامات التنازل والغفران.

إياكم أن تقولوا "إنها مجرد تفاصيل في فصل المجد".

فالفرد والمجموع صنوان

إذا كان المجموع يُنصت للفرد الراوي

ولا يحبسه في زنزانة!

لأن المؤتزرين بإزار الحرب، ونحن معهم،

بعضنا فعليا، وبعضنا الآخر عن طريق رعاية الموافقة،

مدفوعون، بتمتمات "الضرورة" و"الثأر"

إلى خانة مجرمي الحرب.

قاسية هي الحرب! الواعظ الساذج سيُعاد

من أمامها بلكمة.

لكن لذلك

أمر العدل وأمر الرحمة

لو كانا فيها، هما مثلها قاسيان

وجوقة المنشدين لسحر مجدها وحسب

ومن يسكبون الشهد على إثمها

يا ليتها تعاقبهم بيَدٍ من فولاذ

في محاكم عسكرية ميدانية!

ستنزوي السكينة التي تهمس "حقا.."

وتخشى رؤية وجهها في المرآة!

يقف الجندي العبري! يحتمي

من تبلد الجمهور العبري

وحرب الشعب التي صمدت بلا خوف

أمام جيوش ملوك الشرق السبعة،

لن تَرهَب مقولة "لا تنشروا فضائحنا على الملأ"

فهي ليست جبانة إلى هذا الحد!

ويبدو أن هذه القصيدة "هزّت" ديفيد بن غوريون، فكتب في إثر ذلك رسالة إلى ألترمان جاء فيها:

"عزيزي ألترمان...

أحسنت. وإنني لأثني هنا على ما جسده عمودك الأخير في صحيفة "دافار" من التزام أخلاقي وجرأة في التعبير. وما يزال ماثلًا في ذهني عمود آخر كتبته في هذا الموضوع، لكنك في هذه المرة كنت صوتا- نقيا ومخلصا- للضمير الإنساني، والذي إن لم يعمل وينبض في نفوسنا في مثل هذه الأيام، لن نكون جديرين بما تحقق لنا حتى الآن من إنجازات ومكاسب عظيمة.

أرجو أن تأذن لنا بإعادة طباعة هذا "العمود"- ليس ثمة عمود ثابت في عتاد جيشنا يتفوق عليه في قوته المحاربة- وسوف تتولى وزارة الدفاع طباعة نحو مئة ألف "نسخة" منه وتوزيعها على كل عسكري في إسرائيل.

إن لم يكن لديك مانع، فسوف يتم الإيعاز فورا بتنفيذ ذلك.

مع خالص الشكر والامتنان

د. بن غوريون".

ليست رسالة بن غوريون هي المهمة هنا، إنما السؤال التالي: ما هي حالات وحوادث جرائم الحرب التي تتحدث عنها قصيدة ألترمان "حول ذلك"؟

ومما لا شك فيه أن المذبحتين اللتين وقعتا في مدينة اللد وفي قرية الدوايمة، تعتبران من بين المذابح الخطرة جدًا، إن لم تكونا الأشد خطورة وبشاعة، التي وقعت في فترة حرب 1948، أو "حرب الاستقلال" كما يسميها الإسرائيليون.

في مقابلة أجراها الصحافي آري شافيط مع (المؤرخ الإسرائيلي) بيني موريس في عام 2004، ونشرت في صحيفة "هآرتس" في مناسبة صدور كتابه "تصحيح خطأ: يهود وعرب في أرض إسرائيل (فلسطين) 1936- 1956"، ذكر موريس أن الحالات (المذابح) الأخطر وقعت في قرية صَلْحَة قضاء صفد (70- 80 ضحية)، دير ياسين (100- 110 ضحايا)، اللد (50 ضحية)، الدوايمة (مئات الضحايا)، وربما مذبحة قرية أبو شوشة (70 ضحية).

كان احتلال اللد جزءًا مما عرف بـ "عملية داني" (العسكرية)، التي استهدفت أيضا احتلال مدينة الرملة المجاورة. وقد كان هدف هذه العملية تطهير الطرق والقرى والبلدات الواقعة على جانبي الطريق الرئيسي تل أبيب - القدس، والتي بقيت تحت السيطرة العربية، وكذلك الجبال والتلال الواقعة في محيط منطقة اللطرون والممتدة حتى ضواحي وأطراف مدينة رام الله.

ومن ناحية عملية فقد كان المغزى العملاني لـ"عملية داني" هو التصادم مع قوات الجيش العربي الأردني التي كان من المفترض أن ترابط في المنطقة.

وقد جرى التخطيط لهذه العملية بداية، في شهر أيار/ مايو 1948 وأُطلق عليها اسم "عملية تقدم... تقدم" (أو يجوز أيضًا "إرحل إرحل"): عملية اللد – الرملة، اللطرون، رام الله. وعين قائدا لها يغئال ألون، وعين يتسحاق رابين نائبا له. وقد أُعتبر احتلال كل من اللد والرملة من جانب القيادة السياسية والعسكرية الصهيونية في حينه أمرًا في غاية الأهمية، ذلك لأنه كانت تتواجد في المنطقة حشود من قوات الجيوش العربية التي شكلت تهديدا لتل أبيب وللمستوطنات اليهودية في محيطها.

وكان الهدف من احتلال تلك المدن ضم مناطق جديدة إلى "الدولة اليهودية"، وتسريح مقاتلين وقوات كبيرة كُلفت بحماية الطريق الرئيسي تل أبيب- القدس، بالإضافة إلى مهمات أُخرى.

في العاشر من تموز/ يوليو 1948 تعرضت مدينة اللد إلى هجوم شنته طائرات سلاح الجو الإسرائيلي، وقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية جوية من هذا النوع خلال "حرب الاستقلال". ونبع الحجم الكبير للقوات الإسرائيلية التي استُخدِمت في تلك العملية - لواءان من قوات "البلماح"، "هرئيل" و"يفتاح"، واللواء الثامن وعدد من كتائب المشاة، مدعومة أيضا بثلاثين بطارية مدفعية- من تقديرات لدى الجيش الإسرائيلي مؤداها أنه تتواجد في المنطقة قوات أردنية كبيرة معززة بمتطوعين عرب، وبأن هذه القوات كلفت بحماية المدينة (اللد) وتهديد تل أبيب فيما بعد.

غير أن القوات الإسرائيلية فوجئت بأنها لم تواجه أي مقاومة تقريبا. وتقول مصادر فلسطينية وعربية إن نحو 250 شخصا لقوا مصرعهم في المذبحة التي وقعت في مدينة اللد بعد احتلالها من قبل القوات الإسرائيلية. وقد نال الادعاء بشأن وقوع عمليات قتل (مذبحة) واسعة النطاق في المدينة تأكيدًا من جانب المؤرخ (الإسرائيلي) إيلان بابيه، الذي ذكر أن القوات الإسرائيلية قتلت في المذبحة، التي أُرتكبت في مسجد المدينة والشوارع المحيطة به، قرابة 426 شخصًا من رجال ونساء وأطفال. وأضاف قائلًا إنه عُثر داخل المسجد ذاته على 176 جثمانًا، فيما وجدت جثامين الباقين ملقاة في الشوارع والطرقات المحيطة به. هذه الأقوال وجدت سندًا لها أيضًا في شهادة أحد الفلسطينيين من أهالي مدينة اللد، والتي جاء فيها قوله: "قام الجنود والقادة، منتهكين كل المواثيق، بقصف المسجد وقتلوا كل من تواجد داخله. وقد سمعت من أصدقاء ساعدوا في إخلاء الجثامين من المسجد، بأنهم أخرجوا بأنفسهم 93 جثمانًا عثر عليها داخل المسجد؛ وقال آخرون إن عدد ضحايا القصف الذي تعرض له المسجد فاق الـ 100 قتيل". صحيح أنه لا تتوفر لدينا أرقام دقيقة، لكن يمكن القول إن تقديرات كلا الجانبين تعتبر منحازة.

في 14 تموز/ يوليو (1948) واصلت القوات الإسرائيلية تطهير المدينة من بيت إلى بيت، وقامت بطرد من تبقى فيها من سكان عرب إلى أراضي الضفة الغربية، وقد وقعت خلال ذلك عمليات سلب ونهب للبيوت من جانب الجنود الإسرائيليين.

هناك خلاف في الرأي بشأن نيات بن غوريون فيما يتعلق بسكان مدينة اللد. ففي اللقاء الذي جمعه مع يغئال ألون ويتسحاق رابين، أشار بن غوريون بيده وقال لقائد العملية ألون "أُطردهم".

وفي 12 تموز/ يوليو صدر أمر بتنفيذ العملية من لواء "يفتاح" جاء فيه: "يجب العمل بسرعة على طرد السكان من اللد (...) وتوجيههم إلى بيت نبالا". وقال رابين، الذي تحدث عن ذلك اللقاء بعد سنوات، إنه سأل بن غوريون حول ما يجب عمله بسكان مدينتي الرملة واللد، وأكد أن بن غوريون رد عليه بإشارة من يده فُسِّرت في نظر رابين بأنها أمر بطردهم، وبحسب ما قاله رابين فقد جرى ذلك بالفعل في اللد.

هذه الحيثيات والتفاصيل كان من المفروض أن تتضمنها مذكرات رابين، غير أنه مُنِع نشرها في إسرائيل، إلا إنها أُقتبست عنه في صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية بعد مرور فترة من الوقت، ما أثار عاصفة من الجدل. في المقابل نفى يغئال ألون الذي شارك في اللقاء مع بن غوريون، بشدّة، صحة هذه الأقوال.

(ضفة ثالثة)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018