اغتصاب الحريري مرة أخرى..

اغتصاب الحريري مرة أخرى..

سهيل كيوان

أحدثت استقالة سعد الدين الحريري، رئيس حكومة لبنان، هزة قوية في لبنان والمنطقة بكل تناقضاتها من إيران إلى إسرائيل وقد جاءت تلبية لأوامر سعودية، وبات الجميع بانتظار تداعياتها على الساحة اللبنانية وعلى الصراع المفتوح بين السعودية وإيران وأذرعهما في المنطقة.

نستطيع القول إن الحريري ذراع للسعودية ويأتمر بأوامر الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، اللذان يعملان على ضوء استشارات أميركية – إسرائيلية. كذلك لا نستطيع إغفال أن حزب الله هو ذراع لإيران ولقرارات آيات الله والسيد الولي الفقيه.

لا نستطيع أن نغفل الدور التخريبي للسعودية في المنطقة العربية منذ عقود طويلة، والذي استشرس في السنوات الأخيرة من خلال التدخل في سورية عن طريق تنظيم "داعش"، بهدف الحؤول دون انتصار الثورة السورية التي بدأت سلمية وسرقتها من أصحابها وتحويل روافدها ومصباتها، ومن ثم تجيير الثورات العربية بعد سرقتها لصالح نظامها الظلامي الذي يحاول الظهور كحامي حمى أهل السُنّة في مواجهة حامي حمى الحسين وأضرحة آل البيت وتحويل ثوار سورية إلى قتلة الحسين وسباة نسائه في كربلاء.

في المقابل، لا نستطيع تجاهل سيطرة إيران على القرار السياسي في العراق، وتدخلها في اليمن لقطف ثمرة طرد الدكتاتور علي عبد الله صالح ثم إعادته إلى اليمن متذيلا لجماعة إيران من الحوثيين، وهو ما منح السعودية ذريعة التدخل بحجة حماية الشرعية والدفاع عن أهل السّنة وتحويل الصراع في اليمن إلى وجهة مذهبية مثلما جرى تحويله في سورية إلى سني-علوي شيعي.

في لبنان اغتُصب سعد الدين الحريري عندما أحضرته السعودية من ملاهي وفنادق باريس بعد اغتيال والده لتضعه رئيسا لحكومة بلد خطير مثل لبنان، وكان واضحا أنه ليس أكثر من صورة لا حول ولا قوة له.

اغتُصب الحريري مرة ثانية عندما أصبح رئيس حكومة مقابل رئيس الجمهورية الجنرال ميشيل عون المدعوم من حزب الله والنظام السوري. والآن اغتصب للمرة الثالثة عندما أمرته السعودية بالاستقالة، وذلك بهدف توسيع الشق المذهبي وتأجيج الصراع وتوسيع مساحته، وهذه المرة لمحاصرة حزب الله والضغط عليه في سياق التخطيط الأميركي - الإسرائيلي لتحجيم دوره وقوته كذراع ضاربة لإيران في المنطقة. هذا تزامن مع اعتقالات واسعة في السعودية لشخصيات كبيرة في نطاق المال والإعلام والسياسة، وذلك بهدف تأهيل السعودية لتكون مقبولة على العالم الحُرّ ومرضيا عنها إلى حد ما، وتحويلها إلى مملكة تتماشى مع الحد الأدنى من روح العصر، بعدما صار العالم كله ينتقد ويتحدث عن التخلف والظلامية في كل مناحي الحياة في السعودية.

صراعات النفوذ والقوة تجري بينما الشعوب العربية تدفع الثمن من دماء أبنائها وسرقة أحلامها بالحرية من قبل الدكتاتوريات المدعومة أميركيا وإيرانيا على مختلف أشكالها وألوانها.

لم تأل السعودية جهدا منذ تأسيسها إلى تفكيك الأمة العربية واستنزاف قواها ومحاربة كل تنوير فيها، خدمة لطبيعة نظامها الرجعي والأكثر تخلفا، الذي يقول المنطق أنه يجب أن يزول. ولهذا فالنظام ملتزم بمصالح أميركا وإسرائيل كي يضمن حراستهما ومساعدتهما له علنا وسرا للبقاء في السلطة، وهذا يتطلب إصلاحات عميقة وهو ما يبدو أن محمد بن سلمان يدركه ويحاول القيام به للوصول إلى نظام ملكي دستوري تتقبله أميركا كتقبلها للنظام الملكي في الأردن مثلا، وتضمن بهذا حياة أطول له، وتخفف من الاحتقان الداخلي في السعودية الذي بات يهدد بانفجارات داخلية.

من ناحية أخرى يتصرف حزب الله في لبنان وكأنه مالك للبلد. فلم يبق للحريري ولا لغيره أية قدرة على القرار السياسي، وهذا عمق الشعور لدى الطوائف والمذاهب الأخرى بالغبن وعمّق الشرخ المذهبي أكثر وأكثر.

بلا شك أن نتنياهو وترامب يربتان على كتفي الملك السعودي وولي عهده لأنهما يقومان بالمهمة التخريبية والشقاقية على أكمل وجه. ولهذا فهما ينظران إلى استقالة الحريري بعين الرضى لأنها تعمل باتجاه التصعيد مع حزب الله ثم مع إيران، التي يطمح ترامب ونتنياهو إلى تحجيم دورها والحد من قدراتها العسكرية واستنزافها على الأرض العربية في سورية واليمن ثم لبنان.

إيران تخدم مصالحها ومذهبيتها الفقهية من خلال دعمها المذهبي لحزب الله وبشار الأسد والحوثيين في اليمن. وفي المقابل، تسعى السعودية، ذراع أميركا وإسرائيل وخدمة لمصالحها، إلى وأد كل حركة تحرر عربية في المنطقة.

الخاسر من السياسة السعودية-الإيرانية هم العرب كشعوب، بغض النظر عن الشعارات التي يرفعها حزب الله وإيران عن تحرير فلسطين والقدس، مقابل شعارات السعودية بالتصدي لخطر الفرس. فما يهمنا هو المحصلة الحقيقية على أرض الواقع وهي تدمير أحلام الشعوب العربية بالحرية والانعتاق.

نحن أمام صراعات مذهبية آخذة بالتعمق، عملاء أميركا وإسرائيل في مواجهة إيران وعملائها، وجميعهم في مواجهة الشعوب العربية وحرمانها من حريتها ومقدراتها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018