لننصت جيدًا

لننصت جيدًا

أنطون شلحت

تتسبب مناسبة اغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، يتسحاق رابين، عامًا بعد عام، بإثارة جدل بشأن ما يعرف بجوهر إرثه السياسي. وينطلق جل هذا الجدل من فرضية فحواها أن ثمة إرثًا فعليًا ومعنويًا كهذا، ولا سيما في محور العلاقة بين دولة الاحتلال والمسألة الفلسطينية. وتتبنى هذه الفرضية أيضًا نُخب ثقافية محسوبة على اليسار ما بعد الصهيوني، تعتقد أن هذا "الإرث" ينبغي تأطيره ضمن قالبٍ مُحددٍ هو "بناء قوة سياسية لمعسكر السلام"، بما يتجاوز الاصطفاف السياسي القائم على أساس يمين ويسار ووسط وما إلى ذلك.

ويحتم مبدأ التقييم أن ننوه بأن أغلبية هذه النُخب تتناءى عن مقصد تحويل رابين إلى نموذج مُتكامل يُحتذى به، خصوصا فيما يختص بموضوعة السلام، وتشير، من باب أولي، كما كتب أحدها أخيرًا، إلى كونه أرسى، على امتداد حياته، قوة إسرائيل على الجيش والعسكرة.

وكان قائد هيئة أركان احتلال 1967، وحين شغل منصب وزير الدفاع، دعا الجنود الإسرائيليين إلى تكسير عظام الفلسطينيين في الانتفاضة الأولى (1987). أكثر من ذلك، توضح أن عملية أوسلو كانت إشكالية أيضًا، فلقد رأى رابين في ياسر عرفات بالأساس شريكًا في قمع المقاومة الفلسطينية وحركة حماس، وبمفهوم ما اعتبره "متعاونًا" سيُهادنه في المستقبل، ويقبل بالتنازل عن القدس وحق العودة وخطوط 1967 وعن المستعمرات في الكتل الكبرى. وإذا لم يتنازل، فسيظل حاكمًا لرام الله فقط. كما أنها تجزم بأن من غير الواضح ما إذا كانت مخططات رابين هذه ستنفجر من تلقاء نفسها في الانتفاضة الثانية التي اندلعت ضد ورثته.

بناء على ذلك، تظل أهمية ما يصدر عن هذه النخب كامنة في إشارتها إلى أن اغتيال رابين تم على خلفية "البحث عن السلام"، وأنه بمجرد اغتياله سقط هذا البحث عن جدول الأعمال الإسرائيلي العام، بما في ذلك عن جدول أعمال الحزب الذي وقف في زعامته.

ولئن كانت هذه الإشارة تهدف إلى التباكي على إهدار فرصة ذلك الاغتيال، لتغيير سلم أولويات السياسة الإسرائيلية الرسمية، فإنها، في الوقت عينه، تكرر رأيها بشأن شبه استحالة تحويل الخريطة الحزبية السياسية عن الإجماعات التي تلتف من حولها. لكن، إلى أي مدىً يصح لنا أن نعتبر هذه الإجماعات مُخالفة للمواقف التي عاهد رابين الإسرائيليين على الالتزام بها، قبل اغتياله وبعد انخراطه في عملية أوسلو؟ وبماذا تختلف تلك المواقف عن مواقف رئيس الحكومة الحالية، بنيامين نتنياهو؟

منذ عدة أعوام، يحرص نتنياهو بصورة مُمنهجة على توكيد أن المواقف التي عبر عنها رابين حيال المسألة الفلسطينية تعبر عنه، وعن موقف أغلبية الإسرائيليين. وهذا ما فعله هذا العام أيضًا في سياق الكلمة التي ألقاها في مراسم إحياء ذكرى الاغتيال في القدس يوم 1/ 11/ 2017. ومما قاله نتنياهو إن اتفاقًا واسع النطاق يجمع بينه وبين رابين، فيما يخص المستقبل السياسي. وإحدى نقاط انطلاق هذا الاتفاق مُستلة من آخر خطاب ألقاه رابين في الكنيست، قبل شهر من اغتياله، وأكد فيه ضرورة استمرار السيطرة على أراضٍ من مناطق 1967 اعتبرها، في الوقت نفسه، أرصدة أمنية استراتيجية. وأعلن رفضه الانسحاب إلى خطوط 4 حزيران/ يونيو 1967. وقال إن الفلسطينيين سيتمكنون من إدارة حياة مستقلة ضمن كيان خاص بهم. وبحسب قوله، سيكون هذا الكيان أقل من دولة.

كما افترض رابين أن المسؤولية العليا والعملية عن الأمن ستبقى بيدي إسرائيل في كل الأراضي الواقعة غربي نهر الأردن. واعتبر بقاء "القدس الموحدة" تحت سيادة دولة الاحتلال أمرًا ضروريًا. وأضاف نتنياهو، خلال ولايته، شيئًا من عنده إلى هذه المواقف، يتمثل بالأساس في مطلب الاعتراف بإسرائيل "دولة قومية للشعب اليهودي". وفي الكلمة نفسها المُشار إليها أعلاه، كرر هذا الشرط وأوضح غايته، وهي على حد تعبيره "المصالحة بشكل نهائي وقطعي مع الصهيونية، ومع حق الشعب اليهودي في دولة قومية خاصة به"!