مرة أخرى... عن أخلاقية الالتزام بالعهود

مرة أخرى... عن أخلاقية الالتزام بالعهود

عوض عبد الفتاح

في عام 2002، كنت خارجا من مقر المحكمة العليا الإسرائيلية، بعد استجوابي، أمام ثلاثة قضاة في إطار لجنة آور، عن دوري في هبة القدس والأقصى، بتهمة المشاركة في قيادة عملية التحريض على الهبة التي اجتاحت الخط الأخضر، ردا على الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 (بالإضافة إلى استجواب عزمي بشارة، والشيخ رائد صلاح، وعبد المالك دهامشة في وقت سابق).

اتصل بي رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي والنائب في الكنيست، حينها، الدكتور عزمي بشارة، وطلب مني القدوم إلى مكتبه داخل الكنيست، للمشاركة في لقاء طلبه رئيس المجلس المحلي في يافة الناصرة، وأحد قادة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، السيد شوقي خطيب، بخصوص الحديث معنا عن ضرورة تنفيذ تفاهم بخصوص التناوب على رئاسة اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية، والتي تصبح أتوماتيكيا رئاسة للجنة المتابعة لشؤون المواطنين العرب، وفق ما كان متعارفا عليه آنذاك.

أجبته بأني أفضل أن يكون الاجتماع في الناصرة، وليس داخل الكنيست. فأجابني أن شوقي ألح على اللقاء وأنه وصل. وأضاف: طالما أنت هنا في القدس، تعال إلى المكتب. والحقيقة أنه كان قد مر حوالي خمس سنوات على مشاركة الحزب في انتخابات الكنيست دون أن أدخل إلى المبنى. على الرغم من أننا، كحركة أبناء البلد، كنّا من المبادرين الرئيسيين لإقامة التجمع، وللانتقال من المقاطعة إلى المشاركة في الانتخابات، في ظروف ما بعد أوسلو، مع امتناع ممثلي الحركة عن الترشح للكنيست. لكن، على الأقل في المرحلة الأولى، لم أكن نفسيا مهيئا لدخول هذا المبنى.

هي مسألة شخصيه ومرتبطة بذهنية تعودت على المقاطعة لفترة طويلة. طبعًا، الأداء المذهل الذي قدمه عزمي بشارة وقدرته على تحويل منبر الكنيست إلى ساحة مواجهة وصدام أيدلوجي يمس صميم الدولة اليهودية، وهو أمر غير مسبوق، خفّف التخوف من أن تتكرر معنا تجربة من سبقونا إلى كسر هذا التابو، إن صح التعبير، بل عزز القناعة التي رسونا عليها آنذاك، بخوض هذه التجربة رغم كل التناقضات المتضمنة فيها.

على كل حال، وإن كان هذا ليس السياق، ربما حان الوقت لإعادة النظر في المشاركة، بعد كل المتغيرات الخطيرة الجارية بتسارع في سلوك وبنية نظام الأبارتهايد الكولونيالي، وفِي ظل سلوك بعض العرب الذين حوّلوا عضوية الكنيست إلى وظيفة وليس رسالة، والمشاركة فيها إلى دين وليس وسيلة نضالية يمكن أن نستفيد منها كشعب مضطهد في مرحله معينة، ويمكن أن تضرنا في مرحلة أخرى.

وعودة إلى الموضوع؛

يذكر أن الانتخابات التي جرت لانتخاب رئيس اللجنة القطرية للسلطات العربية المحلية عام 1998، أسفرت عن تساوي الأصوات بين السيدين شوقي خطيب ومحمّد زيدان، رئيس مجلس قرية كفر مندا آنذاك: بـ28 صوتًا لكل واحد منهما.

لم يكن للتجمع تمثيل في هذه الهيئة، إذ كان لا يزال حزبا جديدا، وبالتالي لم نحضر عملية الانتخابات ولم نشهد على التفاهم الذي حصل، كبديل عن إجراء جولة انتخابات ثانية لحسم الأمر لصالح أحد المرشحين. ولكننا كنّا ممثلين في لجنة المتابعة: أنا والدكتور بشارة. علمنا بأنه تم الحديث عن تقاسم فترة الرئاسة، دون أن يكون هنالك اتفاق مكتوب وموقع. ومرت الأيام وكاد أغلبية الممثلين في اللجنة ينسون هذه المسالة.

ونظرًا لأهمية وخطورة الموضوع، ولأن جوًا من الاستياء داخل صفوف الجبهة لعدم تنفيذ التناوب في موعده بدأ ينتشر وينعكس على العلاقات الداخلية للمؤسسة التمثيلية العربية، حسمت ترددي بخصوص مكان اللقاء، وذهبت إلى مكتب الدكتور بشارة، بعد أن مررت بعملية التفتيش الروتينية على مدخل مبنى الكنيست، حيث وجدت شوقي منتظرًا عنده للتداول بشأن الموضوع وتوضيح موقفنا. فقد كان قادة الجبهة ومنهم شوقي خطيب، بدأت تلمِحُ إلى أن التجمع غير معني بتنفيذ التناوب، مع أنه لم يكن أحد منهم قد اتصل بِنَا بخصوص هذا الموضوع، والاستفسار منا مباشرة.

وللتذكير فقد كنّا جميعا أحزابا وجماهير نعيش، ومشغولين، بتبعات وإفرازات الانتفاضة والهبة الشعبية داخل الخط الأخضر، أولها سقوط الشهداء والمقاطعة اليهودية الاقتصادية للمجتمع العربي، وحملات التحريض الجنوني والتعامل معنا على أننا جزء من العدو الفلسطيني خارج الخط الأخضر.

في مناخ كهذا، كنّا نحتاج إلى إعادة تنظيم صفوفنا واستخلاص العبر من تجربة الهبة الشعبية البطولية لفلسطينيي الـ48، خاصة وأن هناك أصواتًا اجتماعية وسياسة وإعلامية، بدأت ترضخ لحملة التهديدات والتحريض الإسرائيلية ضد المواطنين العرب وقياداتهم، وتقيم خيم التعايش المزيف في محاولة لإفراغ الهبة من مضمونها الوطني والكفاحي. كنّا، كحركة وطنية وكشعب، نحتاج إلى أكبر قدر من الوحدة والتعاضد وسد الثغرات التي يمكن أن تسّهل على العدو المرور منها لإضعافنا ومنعنا من استثمار نقاط القوة التي تجلت في هذه التجربة الكفاحية، البطولية والأليمة.

بدأ السيد شوقي خطيب، حديثه معنا، بالتعبير عن شعور بأننا غير معنيين بتنفيذ التناوب، وتمنى أن يكون مخطئا. واشتكى من أن السيد محمد زيدان لا يبدو أنه معني بذلك. لم تكن لدينا أي علاقة خاصة مع السيد زيدان ولم نفتح معه هذا الموضوع. كانت علاقتنا به طبيعية مثل الجميع.

في اللقاء، كنّا صريحين معه تمام الصراحة. أكدنا له أولا أننا مع تنفيذ العهود وسندعم تنفيذ هذا التفاهم، مع أننا لم نكن شريكين فيه، ولا حاضرين في الاجتماع، وقلنا له إن لدينا ملاحظات على مواقفه، ومن الضروري أن تسمعها لأنك ستصبح رئيس لجنة المتابعة وهي المظلة التمثيلية التي نتشارك فيها جميعا.

ملاحظة الدكتور عزمي بشارة كانت كالتالي: لدينا تقدير أنك ناعم جدا في مواقفك تجاه المؤسسة الإسرائيلية، وهذا لا ينسجم مع المناخ الكفاحي الذي رسمته الجماهير العربية بدمائها، نحن في مرحلة جديدة من الوعي الوطني لا بد من ترجمته في مؤسسات وطنية قوية. بدوره، رد خطيب على الدكتور عزمي بهدوء، ونفى أن يكون متجاوبا مع الإسرائيليين بخصوص التوجه نحو الاعتدال.

أما ملاحظتي، فكانت: أنا عضو ممثل عن التجمع في لجنة إعادة بناء لجنة المتابعة، ويدور منذ أكثر من أربع سنوات نقاش شديد وصعب حول تصورات البناء، والجبهة هي التيار الوحيد الذي يعارض بشدة تحويل اللجنة إلى هيئة تمثيلية ممأسسة ويمنع التقدم، وأصرَّتْ، على لسان عصام مخول، آنذاك، أمام جميع أعضاء اللجنة، على أن اللجنة يجب أن تبقى "لجنة تنسيق مع تحسين طفيف".

وقلت له إنك خلال كل هذه النقاشات والمداولات، التي كانت تدور بعد نقلها من لجنة إعادة البناء إلى الهيئه العامة للجنة المتابعة، لم أسمع منك صوتا، ما يعطيني انطباعًا إما أنك معارض لإعادة البناء أو أنك غير مكترث.

لم يطل الاجتماع أكثر من نصف ساعة، تبادلنا الآراء والملاحظات، وانتهى الاجتماع بصورة ودية ومريحة، ولم نضع شروطا لدعمه. لأننا نحترم الاتفاقات والمواعيد ونحترم الكلمة، فالقضية لا تهم حزبا أو أفرادا بل شعب بأكمله. وقبل انتهاء اللقاء صرح أمامنا أنه، بعد أن يصبح رئيسا للجنة المتابعة، سيواصل العمل على إعادة البناء للجنة.

بقي السيد شوقي خطيب لحوالي تسع سنوات رئيسا للمتابعة، دون أن يحصل أي تحول حقيقي في مبناها. وللأمانة، يسجل له إنجازا واحدا هاما غير تقليدي، ألا وهو إصدار وثيقة التصور المستقبلي. ولكنه لم يعمل على تطبيق أي منها ولا زلنا ننتظر تطويرها وتنفيذها، وهي مهمة باتت ملحة بل ملحة جدا.

وفِي رأيي ورأي الكثيرين، لا تزال المتابعة تدار بالطريق نفسها، رغم كل الجهد الذي يبذل، لكنه لا يبذل في الاتجاه الإستراتيجي الصحيح. وكنتيجة لذلك، ولأسباب أخرى تتعلق بكل حزب على حدة، نشهد تآكلا بالحضور الشعبي، والجاهزية الكفاحية، وفقدان للمشاركة وتفاعل الأجيال الشابة.

استمرار فضيحة التناوب في المشتركة

أعتقد أنه يكفي ما ذكرنا أعلاه للتدليل من خلال المقارنة على ما وصلت إليه الجبهة من تدهور في مجال الالتزام الأخلاقي بالعهود وبالمسؤولية الوطنية، وما يجب عمله فورا وبدون تأخير. هذه المسألة ليست حول خلافات سياسية أو أيدلوجية، بل مسألة أخلاقية، ومسألة جوهرية تتعلق بأسس وقواعد العمل المشترك.

كما أنه يكفي أن نشير إلى موقف الحركة الإسلامية الجنوبية، الأخلاقي، بخصوص تنفيذ التناوب، لندلل على هذا التدهور لدى أعرق تنظيم حزبي بين فلسطينيي الداخل، ويقف على رأس أهم تنظيمين تمثيليين عربيين، لجنة المتابعة والقائمة المشتركة.

في الواقع، تعاني أصلا القائمة المشتركة من ثغرات جدية في طريقة عملها وفِي خطابها وفِي طبيعة العلاقات الداخلية. وقد يكون لكل مركب مأخذ وانتقادات على الآخر، والتجمع ليس معصوما عن الأخطاء مثل أي حزب أو حركة أخرى. وهذا أمر طبيعي.

ولكن التجمع، الذي كان الأكثر حماسا وقناعة، سياسيا واجتماعيا، لفكرة المشتركة، بل أعتبره القابلة النظرية والفكرية لها، كان يتوخى مسارا آخر لها، يَصب في تشيد الحركة الوطنية الموحدة لفلسطينيي الداخل، من خلال تطوير وترجمة وثائق التصور المستقبلي لتصبح لهذه الحركة قاعدة مادية وثقافية وتعليمية واقتصادية راسخة، تمكن الشعب من الصمود والتطور من خلال تحقيق مستوى عال من الاعتماد على الذات، وتمكنه من مقاومة جرائم هدم البيوت وتشريد أصحابها.

إنه لأمر محزن أنه بدل أن تجري الجهود الفكرية والعملية والنقاشات المعمقة للتقدم نحو هذا الهدف الإستراتيجي، يشغلنا البعض بقضية صغيرة تكاد تكون تافهة إذا ما تعاملنا معها بكونها تتصل بمقعد في برلمان نظام الأبارتهايد الصهيوني الذي يذهب بَعضُنَا إليه بكم هائل من التناقضات الأخلاقية والوطنية.

وأُفصح الآن عن موقفي وعن موقف آخرين من قيادات الحزب، في الاجتماعات الداخلية، تجاه هذه المسألة، ويتلخص: ليذهب المقعد إلى الجحيم، ولنقلب الطاولة، وليبدأ العمل على إعادة رسم قواعد ومقومات السياسة العربية لفلسطينيي الـ48، بعيدا عن التناحر على التمثيل في كنيست إسرائيل.

إنها فرصة لإعادة الاعتبار للشارع وإلى الأجيال الشابة المتوثبة، وللعمل الشعبي الذي ندرك أنه يحتاج إلى إبداع كبير وجهد فريد، ولكنه بات الخيار الأساسي الملح بعد كل هذا الركون إلى الكنيست والطابع التنسيقي للجنة المتابعة. ليتحمل المسؤولية الأخلاقية والوطنية أمام الناس من خرق المواثيق، ومن فَرَّط بالقائمة المشتركة كأحد الأطر الوحدوية الهامة، وأحدث شرخا قد يصعب رتقه في ظل استمرار هذا السلوك، فهل أحد يسمع! لقد آن الأوان لتغيير المسار.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018