عزمي بشارة والإصلاح من الدّاخل

عزمي بشارة والإصلاح من الدّاخل

أنور الجمعاوي

في الوقت الذي تتنافس فيه أنظمة عربية، هذه الأيّام، في إعلان مبادرات إصلاحٍ محلّية، بسبب ضغوط داخليّة أو خارجية، وتعلن، بخلفيّاتٍ جدّية أو براغماتية أو شعبوية، الدخول في حملاتٍ لمكافحة الفساد، كان المفكّر العربي، عزمي بشارة، قد سبق منذ سنوات في التنظير لفكرة الإصلاح من الداخل، والبحث في مشروعيتها وحدودها ومآلاتها في سياق عربي. وخصّص الفصل العاشر من كتابه "في المسألة العربية.. مقدمة لبيان ديمقراطي عربي" (2007)، وعنوانه: "الديمقراطية كقضية سياسية.. خصوصية الإصلاح عربيا" لتحليل مشكلات الإصلاح في السياق السياسي العربي وحدوده ومعيقاته. وكشف الخيوط الواصلة والحدود الفاصلة بين الفعلين، الثوري والإصلاحي، مميّزا بين إصلاح حقيقي/ جذري وإصلاح صوري/ شكلي، لا يتجاوز إعادة ترتيب النظام القديم، وإخراجه بطريقة توهم بالتغيير دون تحقيقه.

المفكّر العربي، عزمي بشارة

واللافت في كتاب "في المسألة العربية.." أن عزمي بشارة يعتبر الإصلاح، في بلدان المشرق العربي خصوصا، والوطن العربي عموما، مدخلا مُهمّا للتمكين للمشروع الديمقراطي في سياق عربي، وسبيلا لإعادة التوازن المفقود بين الحاكم والمحكوم، ولتعزيز دور المواطن في الشأن العام، ولا يرى حرجا في أن تضطلع الدولة بدور متقدّم في مجال العمل على تمدين المجتمع وتحديثه وإصلاحه مؤسساتيا وفكريا وسلوكيا، معتبرا أن "الدولة اضطلعت، في حالات عديدة، بعملية بناء الأمة والمواطنة (...)، كما ساهمت في تشجيع فئة الاقتصاديين والاتحادات". فمن المفيد عربيا، في نظره، أن تبادر الدولة، بما لها من حضور رمزي وأداتي، ومؤسساتي، بتبنّي مشروع الإصلاح والدمقرطة، على نحو يُقلّص من الفجوة بينها وبين المواطن، ويُسهم في بلورة مصالحة بين النظام الحاكم وجموع المحكومين، ويُجنّب الدولة مخاطر الهزات الاجتماعية والحركات الاحتجاجية العنيفة. وينبني هذا التصور على اعتبار "الديمقراطية لا تُبنى دفعة واحدة"، بل هي مشروع مرحلي، ينبني على التدريج، وبالتشارك بين السلطة الحاكمة والأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني. ولكي ينتشر الفعل الإصلاحي ويستمرّ، من المهمّ أن تبدأ مبادرة الإصلاح من السلطة، ثم ما تلبث أن تفيض عنها، وتمتدّ لتصبح مبادرةً مجتمعيةً عامة، وقناعة مواطنية جامعة، وغايةً يتنافس المتنافسون من داخل المجتمع في تمثلها وتجسيدها وتعميمها.

"يعتبر عزمي بشارة الإصلاح، في بلدان المشرق العربي خصوصا، والوطن العربي عموما، مدخلا مُهمّا للتمكين للمشروع الديمقراطي في سياق عربي"

وتواجه الفعل الإصلاحي من الداخل تعقيدات "الاستثنائية العربية" المعاصرة، على حدّ تعبير عزمي بشارة، والمتمثلة هنا في أن المبادرة بالإصلاح لم تُفلت من يد النظام الرّسمي العربي، حتى بقي الحاكم يمسك بزمام عملية الإصلاح، تقدما وتراجعا في تاريخ العرب الحديث. فالطبقة الحاكمة في أغلب الأقطار العربية تُنصّب نفسها وصيّةً على الإصلاح، فتتحكم في سيرورته وصيرورته، وتحتكر مساره وآفاقه، وتعمد إلى تحييد القوى المدنية والهيئات التمثيلية للمجتمع (منظمات حقوقية- نقابات- جمعيات مدنية...)، وتحجيم دورها في مشروع الإصلاح المعلن من السلطة. وكثيرا ما يبقى الإصلاح مجرّد شعار أو حبرا على ورق، لكونه في حِلّ من رقابة القوى الحزبية والجمعياتية والنقابية والمدنية الفاعلة. وفي أحسن الحالات، يصبح الإصلاح الصادر عن مخابر السلطة الحاكمة فرقعةً إعلامية، وفعلا تجميليا لواقع الناس، يُحسب على "أنه مَكرمة مَلَكية"، وإنجاز عظيم من إنجازات الحزب الحاكم، فيفقد الإصلاح، بذلك، بُعده الحضاري، وامتداده الشعبي، وعمقه التغييري، ليتلبس بخلفيات الشخصنة والزعامتية والتحزب المغلق.

والإصلاح الديكوري ليس من الثورة في شيء، لأن الثورة تقتضي التغيير الحقيقي، والعميق. وذلك لا يعني أن الثورة لا تحمل بعدا إصلاحيا في نظر عزمي بشارة، ذلك أنها تروم "الإصلاح الذي يقود إلى عملية تغيير جذري" في واقع الناس والمؤسسات التي تحكمهم. وبناء عليه، فالثورة لا تلغي الإصلاح، بل تذهب به إلى مدىً أعمق وأوسع في مستوى إجرائيته، وشموليته، ونجاعته، فالعلاقة ضرورية، جدلية وتكاملية بين المطلبين، الثوري والإصلاحي الجاد، فالثوري بحسب بشارة "يجب أن يكون إصلاحيا، يقود إصلاحا في النهاية، والإصلاحي يمكن أن يقود تحولا ثوريا. أما الثوري الذي ينفي كل ما هو قائم، ويرفض الإصلاح، فغالبا ما ينتهي إلى أيديولوجية شمولية، وإلى استبداد من نوع جديد، أو ينتهي إلى موقفٍ محافظٍ مضاد للثورة، وهو الوجه الآخر للعدمية". ومن ثمة، يعقد عزمي بشارة علاقة جدلية بين الإصلاح والثورة، فالثورة عنده يجب أن تكون مشروعا إصلاحيا/ تغييريا، والإصلاح يجب أن يكون ثوريا، والثورة تختلف عن ميكيافيلية بعض الأنظمة العربية الحاكمة في تعاملها الأداتي/ البراغماتي الفضفاض مع الإصلاح. ويتباين هذا التصوّر الصّادر عن عزمي بشارة عن المقاربات الأيديولوجية الماركسية، والقومية، والإسلاموية التي تشرّع للقفزة الثورية، وتقول بضرورة نقض كل البنى السائدة وهدمها، وتلغي إمكان الإصلاح التدريجي، وإمكان استثمار السابق في بناء اللاحق. وبشارة بهذا الانزياح عن السائد يؤسس لثورةٍ مسؤولة، ذات مشروع إصلاحي، يوجّه فعل التغيير نحو ضرورة التركيم والبناء، لا الهدم والإقصاء.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018