عندما لا يليق بنا أن نكون مواطنين في الدولة العبرية!

عندما لا يليق بنا أن نكون مواطنين في الدولة العبرية!

توفيق عبد الفتاح

بصرف النظر عن السياسات الرسمية للدولة العبرية منذ النكبة مرورا بكل محطات الصراع المركب باستهداف مواطنيها العرب ممن تبقوا في وطنهم بعد فشل الأسرلة والدمج المشوه لفلسطينيي الداخل وكل منهجية التهميش وكل محاولات الإسقاط الأخلاقي المجتمعي والسياسي التي دأبت عليها الدولة العبرية بمؤسساتها المدنية وأجهزتها الأمنية لتحويلنا إلى كم مهمل متعارك ومتحارب داخليا وغارق في تخلفه ودونيته سواء كان ذلك على المستوى التهميش الاقتصادي والتبعية وعلى مستوى التناحر السياسي الثقافي والتربوي، كما فرض الهيمنة على مؤسسات التعليم الرسمي التربوي والثقافي.

وتلى كل ذلك، في العقد الأخير، السعي لنشر كل آفات العنف المجتمعي والجريمة بين ظهرانينا في سبيل التآكل الداخلي والتدمير الذاتي... لكن كل تلك السياسات الخبيثة الممنهجة لن تعفينا من المسؤولية في إدارة مجتمعنا وشعبنا وفق معادلة الصراع التي تفرض على الأقليات القومية أن تتصرف بصورة مغايرة.

فهذه السياسات، هي معادلة وقوانين الاحتلالات على مر التاريخ، لكنها ليست من معادلات الأقليات الأصلانية المقهورة التي عليها أن تتصرف بروح وأداء مغاير في تحديد إستراتيجيات العمل وتنمية روح التضحية والوعي المنظم بكل ما يعني ذلك من سلوك جمعي متفان منظم وواع.

والسؤال الأهم، هل نحن أهل لهذا الصراع وفقا لهذه المعادلة الوجودية؟ دون أدنى شك، نحن لا نشبه سود أميركا لأننا استطعنا الاستفادة من الهامش الديمقراطي في دولة الاحتلال وأن ننتظم ضمن أحزابنا وقوانا السياسية ومؤسسات المجتمع المدني بكل عللها وفسادها وهزالتها، لكن يبقى هناك الكثير مما يمكن الاستفادة منه وتجاوز هذه الهزالة والخيبات المتراكمة.

وعندما أتيح لنا إمكانية ثقافة التنوع والتعددية وحرية التنظيم النسبي رسبنا، حيث بقينا راسبين في المفاهيم القبلية والحمائلية والجهوية والفئوية، وعندما أتيحت لنا المشاركة البرلمانية حولناها إلى منابر استعراض بهلوانية بما فيها من جاه ومال وإلى اقطاعيات ومزارع خاصة مهيمنة ومتسلطة، وعندما أتيحت لنا السلطات المحلية لإدارة شؤوننا المحلية وبناء مجتمعنا بما يستحق كمجتمع مدني راقٍ حولناها إلى وجاهات وحمائل واصطفافات جهوية طائفية وحمائلية، وعندما أتيحت لنا مؤسسات مجتمع مدني ومؤسسات مهنية وإعلامية وغيرها حولناها إلى ورشات ومحسوبيات واختلاسات فاسدة، ناهيك عن غياب الأصوات الجريئة المراقبة والناقدة التي أفسدت كل المتاح لنهضة مجتمعية ثقافية ضمن هذه اللعبة الخسيسة.

وجراء كل ذلك، غابت المرجعية الناظمة والضابطة لسلوكيتنا وأدائنا وبات كل شيء متاحا، عندما أسهمت القوى السياسية في أداء اللعبة ذاتها متخلية عن ريادتها، وإذا كان المطلوب هي الجرأة والمراجعة لمواطن الضعف والقصور، علينا أن نعترف بأن خيبتنا عميقة على مستوى الأفراد والأحزاب والمؤسسات، كما علينا بالقليل من الخجل والحياء أمام الواقع وأمام المصير، على القيادات أن تكف عن التعاطي كون دورها وهذا العمل هو عمل احتراف ومستقبل مهني، والكف عن هذه البهلوانية وأن يعودوا لقيم السلف الصالح من القيادات باعتبارهم جنودا ومناضلين يضطلع بهم هذا الدور لاستعادة الثقة والسعي لتشكيل مرجعية تكون جديرة بالقيادة تحظى بمصداقية وتستحق لقب القيادة ودون ذلك ستراوح بنفس الحضيض مهما بلغت بها البهلوانيات.

أما التعبير المكثف عن هزالة هذه القيادة فهي تتجلى بالسلوك الانتخابي للسلطات المحلية وبسلوك القائمة المشتركة التي أبت إلا أن تكرس وتثبت هذه الهزالة والركاكة بكل أشكالها وألوانها أمام جمهورها الذي فقد أي احترام واعتبار لها، وبالتالي أعتقد أن ضمن هذه المعادلة الخسيسة لا يليق بنا أن نكون مواطنين في الدولة العبرية...!