إفلاس الدكتاتورية وعار الديمقراطية..

إفلاس الدكتاتورية وعار الديمقراطية..

سهيل كيوان

مهما حاول الدكتاتور أن يبث للعالم ثقة في نفسه، فهو في أعماقه هش وضعيف، ولهذا فهو يعرف على من يستعرض عضلاته ووحشيته، ويعرف أين ومتى يطـأطئ رأسه ويدخل ذيله بين رجليه ويهرب، فهو في نهاية المطاف لا يفكر إلا بأمر واحد وهدف واحد، البقاء في سدة الحكم، مصدر القوة والمال.

زعيم كوريا الشمالية الذي وضع على طاولته زرًا أحمر قبل شهرين، وهدد أميركا، ورد عليه ترامب بأن لديه زرًا أكبر، يعرف حجمه الحقيقي، ليس فقط أمام أميركا، بل أمام الجزء الآخر من الشعب الكوري الجنوبي، الذي اتجه للصناعة السلمية ونظام ديمقراطي وتعددية حزبية، فتفوّق ولحق بركب الدول الصناعية، وصارت بلاده مُصدِّرًا كبيرًا للمنتجات السلمية من سيارات وتلفزيونات وغيرها، وارتفع مستوى حياة الشعب عشرات أضعاف ما لدى الشماليين الذين يتحكم بمصائرهم نظام يرث الحكم من الجد للأب والحفيد، يسمي نفسه نظامًا اشتراكيًا، يعتمد في الحكم على إرهابه لشعبه ليضمن البقاء في مقعده الوثير.

بعد مراجله التي خدعت الكثيرين، وصار بعض اليسار العربي يلوّح بالسيف الكوري البتّار، بات يصبو الآن إلى لقاء مع ترامب. هذا الدكتاتور المتعطش لدم معارضيه ويعدمهم بطرق بشعة، مثل رميهم لكلاب مفترسة جائعة، بات يشعر بما ينتظره من شعب جائع معدم.

يبدو أن الصين أفهمته أنها ليست على مقاس هوسه وجنونه. فهي لها مصالحها التي قد تمس نتيجة تهوره. الآن يريد التفاوض مع ترامب، فقط أعطونا أن نتنفس، أعطونا أن نأكل، فهو يدرك أن الشعب مهما قُمع وخاف، في النهاية لا بد وأن ينفجر. أين تشاوشسكو والحكام العرب الذين ظنوا أنهم مخلّدون، وإذا بهم في الشوارع يُسحلون وبالأحذية يُقتلون.

صحيح أن الامبريالية مجرمة بحق الشعوب لتحقيق مصالحها، ولكن لا يمكن تبرئة الدكتاتوريات من دماء شعوبها، لمجرد شتمها للامبريالية بخطب نارية. فالنظام هو المسؤول عن سلامة شعبه وأمنه ورفاهيته، وهذه الامبريالية نفسها، موجودة أيضا في اليابان، ولها قواعد عسكرية كبيرة فيها، وهي في ألمانيا وتركيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة ومعظم دول أوروبا وفي أستراليا وكندا، وكل هؤلاء من الدول المتقدمة في العالم.

الفرق هو في نوعية النظام، نظام يقمع ويقتل شعبه لضمان بقائه في الحكم وتوريثه، ونظام يعتمد التعددية والتناوب على السلطة ويتيح للشعب تقرير نهج حياته.

****

عار الديمقراطية ...

ما ينطبق على الدول الديمقراطية في العالم لا ينطبق على إسرائيل.

مهما تكن نتيجة الانتخابات القادمة، سواء تم تقديمها لتجري في حزيران أو غير ذلك، فالنتيجة واحدة ولن تتغير، ينتقل بعض الناخبين من حزب إلى آخر داخل المعسكر نفسه، ولكن مجموع نواب اليمين يبقى مراوحًا في مكانه، قوى اليمين تبقى الكتلة الأكبر في الكنيست، بغض النظر عن تقسيمها بين كتل اليمين، وهي التي تشكل الحكومة. وإذا كان هناك تعادل في المقاعد بين اليسار واليمين مع احتساب العرب، يلجأ اليمين والمركز إلى حكومة وحدة قومية. فلا أحد منهم يقبل الاعتماد على النواب العرب في تركيب حكومته. في القرارات الحاسمة لا يؤخذ العرب بعين الاعتبار، وفي أفضل الأحوال قد يستخدمهم اليسار والوسط كجسم مانع لحكومة أكثر يمينية، ولكنهم لا يقبلون تركيب حكومة معتمدة على العرب، لا اليمين ولا اليسار.

النتيجة الطبيعية لتقديم الانتخابات هي حكومة يمينية خالصة أو حكومة وحدة قومية تستثني العرب وميرتس وتبقي الطريق مفتوحا لحزب العمل. فقد سبق وكانت حكومات كهذه ضمت الليكود مع حزب العمل وضمت حزب لبيد مع الليكود ومن على يمينه. النظام في إسرائيل دكتاتوري في تعامله مع العرب في القضايا الجوهرية، فهو يضعهم خارج منطقة القرار في القضايا الأساسية، ويرى فيهم مشكلة ديمغرافية وسياسية، ومعظم أصحاب القرار يعاملونهم كأعداء. وهذا لا يحتاج إلى براهين، فقانون القومية واضح في توجهه. فهو يجيز إقامة بلدات لسكن اليهود فقط، وأي دكتاتورية أفظع من نظام يتجاهل حق مواطنيه بالسكن والمأوى بل ويحاصرهم فيه بسبب قوميتهم.

ما نرجوه من نواب المشتركة،عدم الإعلان منذ الآن بأنه إذا فاز اليمين فالعرب مسؤولون، وكان عليهم أن يصطفوا ويدلوا بالمزيد من الأصوات، لأن النتيجة واحدة حتى لو حصلت المشتركة على خمسة عشر عضوا وشكلت جسمًا مانعًا، في أي نتيجة مهما كانت فالعرب ليسوا شركاء.

هذا ليس ذنب المشتركة بل ذنب العنصرية المتجذرة التي باتت ترى بإشراك العرب في القرار جريمة. وهذا ليس جديدًا، بل منذ قيام الدولة، ولكن ندعو المشتركة إلى ألا تضلل الناخب العربي وتوهمه بأن حل مشاكله الكبيرة موجود في الكنيست ومن خلال المشتركة.

من ناحية أخرى، فمعظم نوابنا العرب "الديمقراطيين" في الكنيست يؤيدون الدكتاتوريات حيثما وجدت، بعضهم ضدها ولكنهم يخشون البوح بمواقفهم خوفًا من بعض الكوادر المعبأة بالشعارات الشعبوية، علمًا أن راتب عضو الكنيست يساوي أكثر من رواتب 100 عامل منجم كوري شمالي أو سوري في الشهر، الذي لا يصل دخل أحدهم لأكثر من سبعين دولارًا في الحد الأقصى، فالمهم أننا نؤيد الدكتاتور لأنه يشتم الامبريالية بنت الكلب، وليس شأننا إذا كان يجوّع شعبه ويذبحه إذا ما تململ.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018