حكايتنا طويلة مع الكلاب

حكايتنا طويلة مع الكلاب

سهيل كيوان

احتلت شتيمة أبو مازن لسفير أميركا في إسرائيل مساحات كبيرة من نشرات الأخبار، وذلك بعدما صرح السفير فريدمان بأن المستوطنين يبنون في أرضهم، بمعنى أن أراضي الضفة الغربية هي أراضٍ للمستوطنين، فوصفه أبو مازن بأنه ابن كلب ومستوطن من عائلة مستوطنين.

وأسرع فريدمان فأشهر تهمة اللاسامية الجاهزة في وجه كل من يعترض على سياسة الاحتلال.

حكايتنا مع الكلاب قديمة وطويلة جدًا. فقد استخدم الكلب في الخطابة والقصص والشعر والأمثال، أحيانا في سياق المديح وفي أحيان أخرى في سياق الهجاء.

وهناك أمثال شعبية عن الكلب، مثل "الكلب اللي بنبح ما بعضّ"، "جوّع كلبك بلحقك"، "كل كلب بيجي يومه"، "الكلاب تنبح والقافلة تسير"، "دلل كلب ولا تدلل بني آدم".

وقال شاعر: لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا،لأصبح الصخرُ مثقالا بدينار. أي أنه لا يلتفت لعواء الكلاب من بني البشر، وذلك أن الكثير من العواء والنباح لا يقدّم ولا يؤخر، حتى أن الحجر خسارة فيه. ويقول شاعر: لا تأسفن على غدر الزمان لطالما، رقصت على جثث الأسود كلاب.

ولعباس محمود العقاد أكثر من نص يتعلق بالكلاب، فهو يبارك للكلبة (فلورة) ولادة جرو لها فيقول:

أعلني يا فلورة الأفراحا

واملأي الأرض والسماء نباحا

ما حبا الدهر بنت كلب

بأعلى من ذراريك عنصرًا ولقاحًا

أبشري دولة الكلاب بجرو

سوف ينفي عن جيلها لأتراحا

سوف يدعى على الكلاب أميرًا

يُفزعُ الأسدَ وثبةً وصياحا.

إذن فهو يبشر دولة الكلاب بميلاد جرو أمير، وبهذا يكون أوصل رسالته، وهجا الواقع الذي يصبح الكلب فيه زعيمًا.

آلاف القصص المستوحاة من الكلب والكلاب، مثل رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ، والكلاب فيها هم رجال السلطة وأذرعها، وفي الأشهر الأخيرة نشر ابراهيم نصر الله رواية له بعنوان "حرب الكلب الثانية"، وهناك مجموعة قصصية لزكي درويش بعنوان "الكلاب"، وغيرها الكثير. ولكن عادة ما يكون الكلب في الأدب العربي سلبيًا، فهو عميل وحقير وخائن وقذر.

في الوقت الذي يدور فيه الحديث عن استخدام عباس لهذه المفردات للتعبير عن حالة الاشمئزاز من تصريحات فريدمان المتعلقة بالاستيطان، واليأس من الموقف الأميركي، نُشر شريط قصير من بضع ثوان يظهر فيه جنود الاحتلال وكلبهم المفترس في الضفة الغربية ينهش طفلا فلسطينيًا. ويظهر الطفلُ في حالة شديدة من الذعر، بينما الكلب ينهش يديه وأطرافه. مشهد مروع في وحشيته، وهو يذكر بكلاب الغستابو، التي طالما أبرزتها الأفلام والأدبيات المتعلقة بالحرب العالمية الثانية. هذه المشاهد لم تستفز أعضاء الكنيست ولا السفراء ولا القنصليات. مشهد طفل فلسطيني محاط بالجنود والكلب ينهش فيه، بات أمرًا لا يجرح العيون ولا يستفز المشاعر. كنا نتمنى من كل من لديه ذرة من الإنسانية في هذا الكنيست من العرب واليهود، ومن كل الكتل، أن يرفعوا أصواتهم، أن يقيموا الدنيا ولا يقعدوها، وأن ينتصروا لهذا الطفل، وأن يرفعوا أصواتهم ضد الممارسات الشبيهة جدا بممارسات الغستابو.

في الوقت ذاته نشر شريط آخر يظهر فيه مستوطن يتجول مع كلبه المتوحش في جبال الضفة الغربية ـ ثم يطلقه لمهاجمة أغنام راع فلسطيني، فيمزق بعضها.

معروف أن بعض الكلاب مدربة على مهاجمة العرب، تعرفهم من روائحهم. فللكلب حاسة شم تفوق قدرة الشم عند الإنسان مئات المرات. وهي مدربة على تمييز روائح العرب من بين أمم كثيرة أخرى. وهناك قصة معروفة حدثت في نابلس قبل سنوات، عندما هاجم كلب الجيش جنديًا إسرائيليًا على الرائحة وتبين أن الجندي عربي.

هناك وحدة خاصة من الكلاب في الجيش الإسرائيلي. ممكن للإنسان أن يتفهم إطلاق الكلاب للبحث عن مخدرات، أو عن سلاح، أو للعثور على إنسان تحت الأنقاض، أو مهاجمة إنسان مسلح. أما إطلاق الكلاب على الأطفال وعلى الأغنام، فهذا يقول شيئًا واحدًا أن الكلب المسعور هو الرمز الحقيقي للاحتلال.

شتيمة أبو مازن تشير إلى حالة اليأس التي وصلها جراء السياسة الأميركية. إلا أن الرد على السياسة الكلبية التي تنتهجها إدارة ترامب وإدارة نتنياهو يكون بالسعي بإخلاص لتحقيق الوحدة الوطنية، ولا يكون بتهديد شعبنا بحرب أهلية والجزم والحسم بأن حماس هي التي وقفت وراء محاولة اغتيال رئيس الحكومة الفلسطينية الدكتور الحمد الله واللواء ماجد فرج ورئيس جهاز المخابرات الفلسطينية.

هناك بالفعل من يريدها حربا أهلية تحرق بقايا ما تبقى من أمل للفلسطينيين، هناك من يريد الفلسطينيين مثل اليمن وسوريا وليبيا في احتراب وتطاحن، ولكن بالتأكيد لا كوادر حماس ولا كوادر حركة فتح ولا أحد من الشعب الفلسطيني المقهور والمحاصر يتمنى حربًا أهلية، بلا شك أن هناك أيدي سوداء مدسوسة، تحاول دفع الفلسطينيين إلى الاحتراب الفلسطيني الفلسطيني، كي تركّع الشعب، وتجعله يقبل بأي صفقة تعرض عليه. تأكيد السيد عباس على تورط حماس من دون إثباتات وقرائن،لا يخدم سوى السياسة الكلبية الأميركية والاحتلالية ومؤيديها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018