هل يُفشل صمود غزة تطبيق "صفقة القرن"؟

هل يُفشل صمود غزة تطبيق "صفقة القرن"؟

د. إمطانس شحادة

لا نغامر كثيرًا إذا قلنا إن إسرائيل لا تريد حربًا جديدة في المنطقة، لا في الشمال ولا في الجنوب، لكنها تستعمل القوة لإخضاع المنطقة لمنطق المصالح والأهداف الإسرائيلية، دون أن يؤدي ذلك إلى حرب. أي استعمال العنف كاستمرار للسياسية ولفرض الأمر الواقع، خاصّةً في الحالة الفلسطينية، أبرزها تثبيت الفصل والانقسام بين غزة ورام الله. هذا ما أرادت إسرائيل فرضه من خلال استعمال مكثف للعنف والقتل في مواجهة مسيرات العودة السلمية في قطاع غزّة، ومن ثمّ من خلال القصف العنيف على غزة.

رفعُ مستوى العنف والقتل والقصف جاء ليحضّر للوصول إلى تفاهمات تخفض، وفقًا لها، إسرائيل من منسوب العنف والقتل، مقابل التزامٍ من حماس بوقف مسيرات العودة ووقف إطلاق الصواريخ باتجاه المناطق المحاذية لغزة، وربما يقود ذلك، أيضًا، إلى تفاهمات سياسية مع حماس ترسّخ الانقسام وتبقي حماس في سلطة غزة، طالما لا تعارض بينه وبين الأهداف الإسرائيلية.

تتعامل إسرائيل مع الملف الفلسطيني بمنطق "كليّة الملف"، وتقوم بالتوازي بعدّة خطوات خطيرة تهدّد بكارثة حقيقيّة على المشروع الوطني الفلسطيني. بالتوازي لاستعمال العنف الشديد في غزة، تعمل اسرائيل على تعزيز السيطرة على مناطق ج-خاصة الأغوار، وربما فرض السيادة الإسرائيلية عليها؛ ضم القدس إلى إسرائيل باعتراف أميركيّ وقبول عربي بالصمت والخنوع؛ تثبيت مكانة السلطة الفلسطينيّة كسلطة محلية لتقديم الخدمات في المناطق ذات الكثافة العالية؛ استمرار الانقسام والفصل بين غزة والضفة؛ السعي لإنهاء ملف اللاجئين عبر توطينهم في أوروبا وكندا، وبعض الدول العربية؛ والقضاء على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين؛ التطبيع العلني وليس الرسمي، مع الخليج العربي؛ تعزيز العلاقات مع مصر، خاصةً الجانب العسكري الأمني، والحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع الأردن.

في ظل هذه الظروف التّعيسة وهذه السياسات الإسرائيلية، بدأت مسيرات العودة في غزة وكادت أن تشكّل اختراقًا للسكون الحالي، وكان باستطاعتها، إذا استثمرت بالشكل الصحيح وتوسّعت إلى الضفة الغربية، أن تعيد القضية الفلسطينية إلى نقطة الصفر-المربع الأول، كقضية عودة وتحرر وطني من مشروع استعماريّ.

الردُّ الإسرائيلي الوحشي، وسكون الضفة والعالم العربي، والرّدود العالمية الخجولة، ساهمت في تخفيف حدّة المسيرات وحجمها، ودفعت إلى طرح مبادرات لإنهاء الأزمة، واحتواء الحراك الفلسطيني وتحويلة إلى نضال بغية تخفيف الحصار وإلى قضايا حقوق إنسان أولية. وإذا صحَّ الحديث عن "صفقة" وإمكانيّة التوصل إلى "هدنة" طويلة الأمد بين إسرائيل وحماس، تعترف بموجبها إسرائيل بوجود سلطة حماس كأمر واقع (De facto) دون الاعتراف بها رسميًا، طبعا، مقابل ضمانات أمنيّة وتسهيلات في المعابر وتخفيف الحصار، أي تسهيل الحياة المعيشيّة لسكان غزة (غالبيّتهم العظمى لاجئون من السّاحل الجنوبي لفلسطيني) دون إنهاء الحصار والاحتلال والاستقلال في دولة فلسطينيّة واحدة، ستكون لذلك عواقب وخيمة جدًا، وربّما كارثيّة، على القضية الفلسطينية والنضال الفلسطيني. خاصة إذا اشتملت الصّفقة على مساعداتٍ مالية وتمويل لغزة يخفف أو يلغي الحاجة إلى ميزانيّات من السُّلطة (أي فك الارتباط نهائيا بين غزة ورام الله).

يعني هذا، إذا ما تمّ تطبيقه، انهيارًا أو إنهاءً لأيّة إمكانية للمصالحة وتأبيدًا للانقسام والفصل بين غزة والضفة والقدس. وبذلك، تكون لحماس سلطة في غزة، ولفتح سلطة فيما تبقى من مناطق أ في الضفة الغربية. وبذلك، تطبّق إسرائيل على أرض الواقع، بمساعدة الإدارة الأميركيّة وشركائها العرب، الخطوط العريضة "لصفقة القرن"، حتّى دون الإعلان عن ذلك ودون أن تحتاج إلى موافقة المنّظمة-السلطة ولا حماس. وبذلك تكون إسرائيل قد نجحت بتحييد السلطة الفلسطينية، بل منظمة التحرير الفلسطينية، أيضًا، من اللعبة السياسية الإقليمية، بل وللأسف الداخليّة حتّى، في المناطق المحتلة عام 67.

صحيح أنّ السّلطة تعارض سياسات إسرائيل وترفض الخضوع لمطالب ترامب، لكنّها لا تعمل أيَّ شيء على أرض الواقع، وليس بمقدورها، أصلًا، أن تعملَ أيَّ شيء في الوضع العالمي والإقليمي والفلسطيني الرّاهن، لمنع تنفيذ السياسات أو إفشالها. التأجيل واختيار عدم المواجهة والتصدّي للسّياسات الإسرائيلية خلقا وضعًا جديدًا يصعّب أكثر من إمكانيات التغيير أو التّصدي للسياسات الإسرائيلية.

في ظل هذه الحالة، لا يبقى للمشروع الوطنيّ الفلسطينيّ إلا التعويل على حراك شعبي جدي وحقيقي لكافة فئات الشعب الفلسطيني وفي كل أماكن تواجده، منفصل عن المصالح الضيقة للفصائل الفلسطينية، بغية فرض إرادة الشّعب على الفصائل والسلطة وإفشال مطامع وأهداف إسرائيل والعمل على تفكيك المشروع الاستعماري الاسرائيلي، وفرض المصلحة والمصالح الوطنية فوق مصالح كافة الأطراف السياسية الفاعلة في الساحة الفلسطينية، ومنع خيانة أخرى من قبل دول التخلف العربي. أي افشال صفقة القرن بواسطة النضال الشعبي. التاريخ الفلسطيني أثبت أنه في كل مرة يصل المشروع النضالي إلى طريق مسدود يبدع الشعب في استنباط أدوات نضال جديدة تخلط الأوراق وتكسر المألوف والحواجز. الحالة الفلسطينية مهيأة حالية لنضال شعبي سلمي متجدد.

بطولة كأس العالم – مونديال 2018 بطولة كأس العالم – مونديال 2018