صفقة درعا

صفقة درعا

بشير البكر

من حوران جاء النداء الأول، حين كان السوريون يعيشون على حافّة الخوف داخل مملكة الصمت الأسدية. وفي ذلك اليوم من مارس/ آذار 2011، خرجت جمهرة من الأطفال من جوف الوحش الطائفي، وصارت درعا الصوت والصدى لكل سورية، وأول طريق الربيع السوري الدامي. لها مكانة خاصة لدى السوريين الذين راهنوا على إسقاط النظام، وبقيت جبهة الجنوب، طوال الفترة الماضية، تحتفظ بثقل عسكري كبير، لكنه بات مقيدا منذ عام 2015 بعد التدخل الروسي المباشر، حتى باتت شبه محيّدة عن بقية الجبهات الأخرى في عموم سورية.

ساد الاعتقاد، خلال فترة الهدوء، أن درعا سوف تحظى بمعاملة خاصة، بسبب حساسية موقعها والثقل العسكري فيها. ومنذ حوالي عام، سرى اتفاق التهدئة الروسي الأميركي الأردني من دون خروق، حتى تراجعت عنه روسيا أخيرا.

يضغط الروس والإيرانيون منذ أسبوعين، بالوسائل العسكرية والسياسية، من أجل تغيير المعادلة، وإسقاط درعا مهد الثورة. وكالعادة، أعطى الطيران الحربي الإشارة للهجوم الشامل على كل حوران. ومثلما حصل في حلب والغوطة، يتصدر الروس المشهد، يقتلون ويفاوضون باسم النظام وإيران، وهم يلعبون هذه المرة بكامل الحرية، بعد أن حصلوا على تفويضٍ من الولايات المتحدة، وبالاتفاق مع إسرائيل والسعودية والأردن، وفي ظل عدم وجود أي تغطية دولية أو إقليمية لدرعا، بما في ذلك الشأن الإنساني.

تقف درعا وحدها في الساحة أمام قوة نارية هائلة، سبق أن استخدمها الروس في حلب والغوطة. وعلى الرغم مما تواجهه، منذ حوالي أسبوعين، تؤكد كل التقديرات أن هزيمة القوة الروسية الإيرانية غير ممكنة. وإذا قسنا على مقاس حلب والغوطة، فإن نتائج المواجهة غير المتكافئة ليست لصالح المقاتلين الذين يواجهون روسيا وإيران معا.

وفي وقتٍ تتولى فيه روسيا التفاوض مع الجيش الحر من أجل الاستسلام، تخوض قاعدة حميميم حربا نفسية ضد أهل درعا، وتختلق كل يوم روايةً للتغطية على جرائم الحرب بحق المدنيين، وتخفي خسائر قوات النظام الكبيرة. ومن الروايات الرابحة التي لعبها الروس، منذ تدخلهم المباشر لنجدة الأسد، تلك التي تتحدث عن خطر جبهة النصرة. وهذا التنظيم يمكن القول إنه موجود في كل مكان في سورية غير درعا، حيث تم طرده من حوران منذ زمن طويل، وغالبية مساحة الجبهة الجنوبية تحت سيطرة الجيش الحر.

الأفق واضح منذ بداية المعركة، والمطروح على حوران هو الاستسلام، لكن القادة الميدانيين قرّروا خوض المعركة، وهناك من يؤكد أن الحواضر المدنية في درعا ضغطت على الجيش الحر من أجل القتال، ورفض أي تسويةٍ تصب في صالح النظام وإيران.

تؤكد معركة درعا أن منطقة خفض التصعيد في حوران لم تكن من أجل أمن أهل المنطقة، وإنما من أجل أمن إسرائيل، وكل المفاوضات التي جرت بشأن الجنوب كانت حسب مقاسات إسرائيل، وكل الترتيبات التي تتم هي بالتفاهم مع إسرائيل عن طريق روسيا، وهذا ما يعكسه التفاهم الثلاثي الأميركي الأردني الروسي قبل المعركة التي تؤكد أيضا الكذبة الروسية بشأن منطقة خفض التصعيد، حيث تبين أن العملية برمتها بمثابة هدنات وتجزئة للحرب في سورية، من خلال تقسيم الجبهات وفصلها عن بعضها بعضا، كي يسهل قضمها واحدة تلو أخرى.

إذا نجح المخطط الروسي في السيطرة على درعا، تكون قد سقطت كل مناطق خفض التصعيد، والدور القادم على إدلب. والمؤكد هنا أن ما يجري ضد درعا غير مفصول عن صفقة القرن، وهذا ما ذكرته صحيفة هآرتس خلال زيارة مستشار الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، أخيرا، والتصريحات الإسرائيلية عن إعادة تعويم بشار الأسد في مقابل موافقة إيران على الصفقة.

(العربي الجديد)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018