سورية: هذه هي المؤامرة

سورية: هذه هي المؤامرة

رامي منصور

ليست الحرب السورية حربا أهلية، بل قل هي زلزال وقع على الشق السوري – الإفريقي، وارتداداته وصلت حتى شمالي أوروبا. ليست حربا بين نظام ومتمردين أو بين ممانعين وإمبرياليين، بل قل إنها مؤامرة التقت فيها روسيا وإيران من جهة وأميركا والسعودية من الجهة المقابلة. هدف واحد جمع طرفين: وأد إمكانية التغيير في العالم العربي والإسلامي، وحمل اسم "التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب"، الذي تحالفت فيه واشنطن مع طهران في سورية والعراق.

"محور الممانعة"

بعد انتفاضات العام 2011 التي أطاحت برؤساء دول في تونس ومصر واليمن، رحبت القوى المحسوبة على ما يسمى "محور الممانعة"، إيران وسورية وحزب الله، بسقوط تلك الأنظمة، ونقل التلفزيون السوري الرسمي الاحتفالات الشعبية بسقوط حسني مبارك في شوارع القاهرة. لكن سرعان ما تبيّن أن هذا الترحاب انتقائي لأنه ما أن امتد مد التغيير إلى المشرق، إلى سورية، حتى انقلبت الآية، وظهر أن هذا الترحاب لم يكن حقيقيا بل شكليا، وتبيّن أن النظام في سورية وكذلك في إيران رفع حالة التأهب من انتقال عدوى الانتفاضات الشعبية.

وبالفعل، سرعان ما وصلت عدوى التغيير إلى الشام، ولكن بصيغة المطالبة بالإصلاح وليس الإسقاط، أدخل النظام نفسه والناس في معضلة كبيرة بعدما زج قواته المسلحة إلى الشوارع والميادين، وقمع بالحديد والنار التظاهرات السلمية وبدأت دوامة الدم.

وكانت المعضلة على النحو التالي: إذا سحب النظام قواته المسلحة من الشوارع والميدان فقد يعتبر ذلك تنازلا وتراجعا، وإذا انسحب الناس فإن ذلك سيزيد من بطش النظام. وقد استمر هذا الوضع عدة شهور أظهر فيها السوريون بسالة لافتة على الرغم من دموية النظام، الذي بدأ يفقد سيطرته على مناطق عديدة في سورية قبل أن يتم تسليح الثورة، إذ أن الأرضية للثورة في سورية كانت مهيأة لعدة عوامل من بينها سنوات الجفاف الطويلة التي ضربت الزراعة والريف السوري، وأدت إلى حركة ديمغرافية غير طبيعية، بالإضافة إلى تضييقات سياسية وأمنية على الرغم من الحديث عن لبرلة وانفتاح اقتصادي، لكن هذا الانفتاح كان فظا، ففيما كان الناس يغرقون في البطالة والفقر، فإن طبقة صغيرة من مقربي النظام كانت تزداد ثراءً على حساب الدولة والناس. وقد شاهد أهالي حلب، مثلا، كيف أن أراضيهم المصادرة لصالح الدولة والمشاريع العامة، تحولت بين ليلة وضحاها إلى ملكية رجال الأعمال الجدد من حول النظام.

كل هذه التراكمات سرعان ما حوّلت المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة بإسقاط النظام، وانفجرت كتل الغضب في كل أنحاء سورية حتى بدا أن السوريين يمثلون حالة نادرة من الشجاعة والبسالة في ظل القمع الدموي. وقد اكتشفنا نحن، غير السوريين، أن سورية العروبة ليست كذلك بالضبط، بل إن الطائفية مزروعة في مؤسساتها، وإن التحولات الديمغرافية الحاصلة في الحواضر السورية نتيجة الإفقار مست عصب المجتمع، وإن الانفجار تأخر حقيقة، وإن السوريين منحوا النظام فرصة تلو الأخرى لإنقاذ نفسه بسبب سياسته الخارجية.

وقد تناول خالد خليفة في روايته "لا سكاكين في هذه المدنية" بعض هذه التحولات. وأثبت النظام أنه فشل ليس فقط في مواجهة إسرائيل بل في هندسة مجتمعه، وقراءة التحولات التي تجري تحت أعينه من ترييف للمدينة وتجفيف للريف. النظام بغبائه وعنجهيته لم يلحظ التحولات الجوفية الحاصلة، وارتكن إلى أن الرأي العام معه في سورية وخارجها بسبب دعمه لحزب الله وموقفه من إسرائيل. في المقابل، رأى أن الغرب لم ولن يتحرك ضده لأنه باشر بفتح خطوط مباشرة مع الإدارة الأميركية، وصار شريكا في حربها "ضد الإرهاب" في المنطقة.

في هذه الفترة قبل تفجر الحرب الدموية، حاول الأتراك ثني النظام عن التورط بمواجهة مع الشعب وإعادة احتلال البلاد من جديد. وقد قدموا نصائح جمة له لإنقاذ نفسه من نفسه، وأوضحوا له أن الانفتاح والإصلاح من شأنه أن يحسن وضع البلاد اقتصاديا بشكل كبير جدا ويمنع الانفجار، واستجلاب الاستثمارات الخارجية وتحديدا القطرية. لكن لا حاجة للإطالة والتوضيح كيف رد النظام.

"محور الاعتدال"

في هذه المرحلة، كان هم السعودية والإمارات قطع الطريق أمام الانتفاضات العربية بأي ثمن كي لا تصلها آجلا أم عاجلا، وقد بدأ ذلك في تحويل الانتفاضة في ليبيا إلى حرب تشارك فيها دول من حلف شمال الأطلسي (ناتو). وقد رأت السعودية تماما مثل إيران، أن نجاح الثورة في سورية سيعني وصولها إلى لبنان والعراق ثم الرياض وطهران. وقد التقت السعودية وإيران على معاداة الثورة أو على الثورة المضادة. فالسعودية تحت راية حماية السنة دفعت بالسلاح من مختلف أنواعه إلى مجموعات إسلامية متطرفة في سورية، وكان هدفها واضح تسليح المواجهة. من الجهة المقابلة، سلحت إيران النظام واستجلبت ميليشياتها للمشاركة في قمع الناس تحت راية حماية المقاومة والممانعة وتحرير فلسطين.

التقى الطرفان، السعودي والإيراني، على ضرورة تحويل سورية إلى عبرة لمن يعتبر لدى الشعوب العربية والإسلامية، بأن الأنظمة على دمويتها هي الضامن الوحيد لاستقرار البلاد حتى لو كان الثمن هو الفقر والاستبداد.

أما إسرائيل، فلم تكن بعيدة عن رؤية طهران والرياض، إذ كانت معنية بل ساهمت في تحويل الأرض السورية إلى ساحة حرب استنزفت الكل، النظام وإيران وحزب الله والشعب، وتحويل البلاد إلى خراب. وإسرائيل اليوم هي التي تطرح نفسها على أنها عامل استقرار للنظام وليست معادية له، وهي تقدم للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مفاتيح البيت الأبيض لضمان تجند الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لجهود إعمار سورية. فبوتين يدرك أن النظام الغربي لن يمد له يد العون لسورية ويقدم أموال الإعمار إذ ما بقيت تحت هيمنة إيران ودون موافقة إسرائيل. ولضمان تجند الدول العربية الخليجية لجهود الإعمار فلا بد من نيل رضا إسرائيل كبوابة لنيل رضا سيد البيت الأبيض.

ويبدو أن ما يخشاه بوتين حاليا، هو الإبقاء على سورية سورتين، واحدة في الطرف الغربي مطلة على المتوسط لكنها فقيرة ومدمرة لا تلبي جشع الروس في الاستثمار في سورية، بعد أن دفعت موسكو أموالا طائلة لشركات مرتزقة تحارب على الأرض السورية (أغلبها مرتبط بمقربين لبوتين). والثانية في الطرف الشرقي ولا تطل على المتوسط، لكنها غنية بالنفط وتحت الهيمنة الأميركية والعشائر السنية. هذا على ما يبدو ما يخشاه بوتين، تكرار تجربة ألمانيا الحرب العالمية الثانية، أي طرف شرقي فقير وطرف غربي غني ومتطور. وهذا على الأغلب ما سيكون في صلب مباحثاته مع ترامب.

أين البديل؟

كانت ولا زالت مشكلة الغرب مع الثورة السورية أن المعارضة لم تقدم بديلا جديا للنظام، بل تحولت إلى صراع سلطة بلا سلطة. ويمكن عزو فشل المعارضة، وتحديدا في الخارج، إلى انعدام السياسة في سورية منذ الوحدة مع مصر عبد الناصر وتجفيف الحياة السياسية في المدن السورية. وفي هذا السياق من المفيد مراجعة كتابات الباحث السوري، شمس الدين كيلاني، التي تصف الحياة السياسية في سورية قبل الوحدة مع مصر وصولا إلى يومنا هذا، وكيف تحولت سورية من دولة فيها تيارات ليبرالية حيوية في المدن إلى دولة القائد الأوحد وتدمير المدن وإفقارها. لذلك سؤال البديل مهم جدا، لكن لا يتحمل مسؤولية فشل توفره المعارضة وحدها، وتجربة ليبيا (انعدام السياسة) وتجربة تونس (حضور السياسة والنقابات) تؤكد صحة هذا الادعاء.

محكومون بالأمل

إذا، تحولت سورية إلى أرض لممارسات قوى الثورة المضادة لوأد الأمل العربي بالتغيير، سواءً السعودية أو الإيرانية (و"داعش" أيضا)، لأنها كانت مدركة جيدا أن نجاح الثورة في سورية سيعني أن تسونامي التغيير والحرية سيصل فارس والحجاز. ولولا تدخل روسيا لسقط نظام الأسد نهائيا قبل عامين خصوصا أنه تآكل وصار لعبة في يد الروس. لكن ما أرادته السعودية وإيران تحقق: صارت سورية عبرة للشعوب العربية والإسلامية مفادها "ألا تفكروا بالحرية". وليس مصادفة أن تشمل كل نشرات الأخبار الرسمية في الدول العربية على أنباء عن الخراب في سورية والترويع من الإرهابيين الإسلاميين. هذا هو المطلوب بالضبط، وكأنها تقول إنكم محكومون باليأس.

وقع قبل أيام مهد الثورة السورية، درعا، تحت السيطرة الروسية، لكن هذه لن تكون الكلمة الأخيرة أو القول الفصل في درب الحرية في سورية، ومنها إلى كل العالم العربي. الثورة تنجح بمجرد أن تخلخل الواقع ولو قليلا، وهذا ما حصل في بلادنا العربية. الثورة نجحت في زعزعة الاستقرار الوهمي من المحيط إلى الخليج، لكنها لم تنتصر حاليا، لكن الثورة المضادة السعودية – الإيرانية لم تنتصر أيضًا، وهذا الشيء الإيجابي الوحيد.

نعم، الثورة لم تنتصر، لكننا كسبنا أنفسنا واختبرنا مدى جديتنا عند الحديث عن الحرية والديمقراطية ومدى شجاعتنا السياسية (وطبعاً هناك كثر خسروا أنفسهم)؛ لكن الثورة المضادة أيضا لم تنتصر رغم حجم الخراب، وهناك من خسروا أنفسهم وانكشفت طائفيتهم وعدم جديتهم بالحديث عن الديمقراطية والحرية، وتبيّن مدى جبنهم السياسي وضعفهم الأخلاقي.

"إننا محكومون بالأمل. وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ"، كما خلص سعد الله ونوس.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018