انتخابات الكنيست وتغيير قواعد اللعبة الديمقراطية الإسرائيلية

انتخابات الكنيست وتغيير قواعد اللعبة الديمقراطية الإسرائيلية

سليمان أبو إرشيد

بغض النظر عما تقوم به أسئلة استطلاعات الرأي التي تجريها الأحزاب والمؤسسات والصناديق الداعمة لزيادة نسبة التصويت بين العرب، من تقطيع المقاطعين إلى شرائح تتراوح بين يائسين وخائبي أمل وعازفين عن السياسة، واختزال من تسميهم بـ"المقاطعين أيديولوجيا" إلى نسبة ضئيلة، فإن ظاهرة مقاطعة انتخابات الكنيست هي أساسا ظاهرة سياسية لا يغير تنوع ألوان فسيفسائها من كونها تعبير متزايد عن عدم ثقة المواطن العربي الفلسطيني باللعبة الديمقراطية الإسرائيلية.

ومن دون شك، فإن ازدياد دائرة المقاطعة لتصل إلى حدود الـ50% في الانتخابات الأخيرة، ينبع من إدراك جماهيرنا العربية الفلسطينية بأن التغيير الذي أحدثته إسرائيل على قواعد اللعبة (السياسية/ الديمقراطية الإسرائيلية)، عبر جملة إجراءات وقوانين أبرزها قانون الاعتراف بيهودية الدولة وقانون القومية العنصري والإجماع الإسرائيلي على عدم شرعية الصوت العربي، قد قلصت جميعها مساحة تأثيرها إلى أبعد الحدود وجعلت من استمرار المشاركة في اللعبة السياسية الإسرائيلية مسألة بحاجة إلى إعادة نظر.

ونستطيع أن نضيف إلى هذا التحول النوعي، العديد من الأسباب التكتيكية الأخرى، والتي أتى الكثير من المحللين على ذكرها، مثل: الخيبة من القائمة المشتركة والتنازع على مقعد التناوب وصولا إلى تفكيكها والتحالفات الهشة التي أعقبت انفراطها. وكلها عوامل ساهمت في تغذية وتعزيز التحول النوعي الذي يمكن اعتباره تحول في المدى الإستراتيجي، والنابع من إدراك التغيير في قواعد اللعبة السياسية ونزع الشرعية عن الصوت العربي الذي يحظى بإجماع الساحة الإسرائيلية من يمينها إلى يسارها.

إنه لمن المفارقات أن تسجل السنوات الأولى لقيام إسرائيل، التي بنيت على أنقاض شعبنا الفلسطيني، أعلى نسب تصويت للكنيست بين البقية الباقية في وطنها من الشعب الفلسطيني، حيث وصلت نسبة التصويت بين العرب عام 1951 نحو 85.5%، في حين بلغت بين اليهود في تلك السنة 75.1% وفي عام 1955 وصلت نسبة التصويت بين العرب إلى 91%، بينما بلغت بين اليهود 82.8% فقط.

لقد خرجت في الخمسينيات جماهيرنا الواقعة تحت سوط الحكم العسكري لصناديق الاقتراع وصوتت بغالبيتها الساحقة لحزب "مباي" الحاكم والقوائم العربية التابعة له، كما شارك الشيوعيون في الانتخابات باعتبارها خطوة ضرورية للتعبير عن المواطنة الحسنة، انسجاما مع موقفهم التاريخي المؤيدة لحل الدولتين واندماج الفلسطينيين كمواطنين متساوين في إسرائيل. (أسعد غانم في "هارتس" 17.04).

وظلت دولة إسرائيل تمنع مشاركة حزب عربي في انتخابات الكنيست حتى كسر هذا الحظر عام 1988، عندما انسحب عبد الوهاب دراوشة من حزب العمل وأسس الحزب الديمقراطي العربي، الذي سمح بقيامه نظرا لظروف النشأة والخلفية وتبدل الظروف السياسية، وهو ما مهد لاحقا لشرعنة التجمع الوطني الديمقراطي عام 1996، والذي نجا من عدة محاولات لشطبه وإخراجه عن القانون.

وإذا كان التجمع هو من ألقى القفازات في وجه إسرائيل برفع شعار "دولة جميع مواطنيها"، فإن ظروف صعود اليمين والحرب التي شنها على حقوق الفلسطينيين، إلى جانب محاولات خلق أرضية قانونية لضم مناطق (جـ) في الضفة الغربية، استدعى هجوما شرسا على حقوقنا الجماعية تمثل بإخراج الحركة الإسلامية الشمالية عن القانون، وتضييق الخناق على العمل الوطني، ومحاولات نزع الشرعية عن النواب العرب وأحزابهم.

وتواصلت هذه الهجمة مع استمرار انزياح الساحة الإسرائيلية نحو اليمين، وتآكل ما كان يعرف بـ"معسكر السلام الإسرائيلي"، وتهاوي حل الدولتين، وتواصل الانقضاض على ما أُنجز من مكتسبات جماعية للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، بينها نزع الشرعية السياسية عن أحزابهم الممثلة في الكنيست على طريق تغيير قواعد اللعبة السياسية.

 ومن دون شك بأن هبوط نسبة التصويت إلى ما دون الخط الأحمر (50%)، يضع أحزابنا الوطنية أمام مسؤولية إعادة النظر في موضوعية استمرار المشاركة في انتخابات الكنيست واللجوء إلى أساليب نضال أكثر جدوى وفاعلية في خدمة مشروعنا الوطني.