الديمقراطية التونسيّة في مرآة الشارع العربي

الديمقراطية التونسيّة في مرآة الشارع العربي

نزار السهلي

قد يبدو الحديث عن استحقاقات الديمقراطية التونسية، حديثا متأخرا، من الزاويتين الصحافية والسياسية، وينتسب إلى ماضٍ تجاوزته الثورة التونسية، وإلى مخاض العملية الديمقراطية والانتخابات الرئاسية الأخيرة، لكن تأملا مدققا في الموضوع، يكشف أن هذا الانطباع لن يكون نهائيا ومحصورًا فقط بالوعي المتصل مع ما أفرزته تجربة الثورة في تونس، إنما التحول النوعي المضاد للثورة المضادة، جاء اليوم ليؤكد أننا نعيش حاضرا تتفاعل فيه هزائم المرحلة السابقة عربيا مع انتصارات أخرى، إن جاز لنا التعبير عنها في  تطور العملية الديمقراطية والانتقال السلمي لتداول السلطة في تونس وانعكاسها عربيا وإقليميا، ونتائجها المباشرة وتأثيرها ذي الجوانب المتعددة، وفي سلسلة التفاعلات التي يشهدها الشارع العربي. 

نزار السهلي

وإذا كان غرضنا، هنا، الإحاطة السياسية بالعملية الديمقراطية وتأثيرها عربيا، أهدافا وحصيلة، وآفاقا، واستجلاءً لطبيعة المرحلة  التي افتتحتها الثورة في تونس قبل تسعة أعوام؛ فلا بد، من استرجاع  سريع للعناصر التي شكلت المناخ الذي تمت الانتخابات الديمقراطية في ظله، واستعصائها في ميادين أخرى، فلقد جاءت الثورة بعملية تغيير يمكن وصفها بالصادمة للنظام العربي السائد ولقادة أنظمة الثورات المضادة، وفي ذروة مناخ عربي يستعر يوما بعد آخر في حشد " الهمم" لمحاصرة، وإجهاض الثورات، ويشهد ثلاث تطورات تتغذى من بعضها البعض:

أولها "تفوق" جلي لبطش النظام السوري، الذي كشف الميل المتعاظم، لمعظم الأنظمة الرسمية العربية والدولية، لدعم سيطرته على المجتمع السوري، مع كثرة الجرائم، وثانيها نجاح تكتل الثورات المضادة بقيادة السعودية، ومصر، والإمارات، وإيران، وموسكو، في تقديم عرض قوة في سورية، ومصر في اليمن وليبيا، أما ثالثها، السعي الحثيث لإخراج التطبيع مع دولة الاحتلال من حالته السرية إلى حالته الوقحة والفجة بالتزامن مع الترويج لانتصار أنظمة الطغيان في مصر وسورية على مجتمعاتهما.

ذلك مناخ عربي يتجه نحو مزيد من التخلي عن شعوبه، سواء بكسر بعض الأنظمة لقواعد احترام حقوق الإنسان والمواطنة، أو عبر إبداء التسامح مع جرائم أقرانه "سورية"، مثال على بعض دعوات المطالبة بعودة النظام  ليحتل مقعدها في الجامعة العربية، أو العودة الرسمية له وعدم الاكتفاء بالتنسيق معه سرا، والجنوح نحو حل شكلي يُراد به طيُّ موضوع تضحيات السوريين، أكثر مما يُراد به حسم مسألة الحرية والديمقراطية والمواطنة ومبدأ التبادل السلمي والسلس للسلطة على وجه قاطع. في ظل هذا المناخ وتلك علامته الفارقة، ليس إلا، بادر النظام في دمشق مع حليفيه الروسي والإيراني لتدمير العمود الفقري للثورة السورية بالشمال السوري، بالمعنى الفعلي للتعبير، ورسم ثلاث أهداف:

أن ذلك سيكون مدخلا وحيدا لتحجيم تطلعات الشعب السوري، والشارع العربي لأي عملية تحول ديمقراطي في المنطقة، وإخراج مفهوم الثورة من دائرة التأثير السياسي في معادلة الديمقراطية في المنطقة، الأمر الذي ينعكس حتما، على مستوى مواجهة الثورات في المنطقة العربية، وهو ما لم ينجح في تونس على الأقل، ولن ينجح في العراق ولبنان المنضمين لقافلة المنتفضين على الفساد والبنية الطائفية.

فرض جو سياسي ضاغط على الشارع العربي، يراد منه أن يثمر يأسا من جدوى مواجهة أنظمة الطغيان، والانصراف الفوري لبحث القضايا الإنسانية المتعلقة بضحايا جرائم النظام في دمشق كالنازحين والمهجرين، وثمة قابلية ضمنية من بعض الأطراف العربية والدولية لهذا الطرح، كبديل عن كل الموضوعات المتعلقة بالحرية والمواطنة وكسر احتكار السلطة.

توليد حالة من الضغط، على النازحين السوريين في تركيا ولبنان ومصر والأردن، نجد أساسها في الظروف الصعبة والقاهرة التي يعيشها المهجرون السوريون، وسط افتقار شبه مطلق لأبسط مستلزمات الصمود، كما نجدها في الشعور العفوي، بأن همجية النظام آتية إليهم لا محالة.

عندما نتحدث عن رهان رئيس النظام السوري، بشار الأسد، وبعض الأنظمة العربيّة والدولية، ومناخ الإحباط واليأس في الشارع العربي، واستعداد بعض الأنظمة لاستقبال هذه الحالة، وتوظيفها باتجاه إحكام الخناق على عنق الثورات، وإلزامها تقديم تنازلات لا تقل عن الاستسلام، فإن واحدا من هذه الأهداف، لم يتحقق، بل لا نقول جديدا، ولا نبتدع من عندنا، إذا أكدنا أن مواجهة الثورة في تونس لم تنته كما يشتهي أعداؤها، ولا كما يشتهي الأسد وحلفاؤه بأن تكون سيطرته على الجغرافيا السورية هي آخر المطاف في جولة المواجهة الطويلة، وستبقى الشوارع العربية المنتفضة تؤرق أنظمة الطغاة في دمشق وبيروت إلى الرياض، وأبو ظبي، والقاهرة وصولا للجزائر.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة