يا ضحايا النصب والاحتيال استيقظوا...

يا ضحايا النصب والاحتيال استيقظوا...

النصّاب هو ذلك الذي ينصب على الناس، يقترض مالا أو يستعير غرضًا ما ولا يعيده إلى صاحبه، أو يعيده ناقصًا، أو يُشغّل لديه في بيته أو في مصلحته عاملا أو صاحب مهنة ثم يماطل ولا يدفع له أجره، أو لا يوفي التاجر ثمن بضاعته، ويختلق شتى الحجج، مثلا أن العمل غير متقن، أو البضاعة ليست كما اتُّفق عليه، ويتحوّل من مُطالَبٍ إلى مُطالِبٍ، ومن مَدينٍ إلى دائنٍ، يشكو أمره للناس والظلم الذي وقع عليه.

لا ينشأ النّصب عند الإنسان على حين غرّة، بل له بوادر ومقدمات تظهر في سن مبكرة، ثم تنمو وتكبر وتتشعب وتصبح أخطر مع تقدم الإنسان في السّن والقضايا التي يتعامل معها، فهو يبدأ في النصب مبكرًا منذ لعبة "البنانير" في الحارات أو الغمّيضة وكرة القدم ثم لعب الورق، فهو لا يعترف بهزيمته أبدًا، وخصوصًا إذا كان هناك رهان يوجب بأن يدفع الخاسر شيئًا ما مهما كان بسيطًا.

النصّاب شخصية معروفة ومنتشرة في المجتمع الفلسطيني، وهو موجود في كل بلد، ولكنه دائمًا يجد ضحايا له، إما من أولئك الذين لم يعرفوا حقيقته بعد من أبناء الجيل الجديد، أو ممن عرفوها ولكنهم منتفعون منه بشكل أو بآخر، أو ليأمنوا شرّه، أو من غرباء لا يعرفونه، أو ممن لا يتعلمون الدرس من أول مرة، ويحسنون الظن به مرّة أخرى، ودائمًا ينجح في خداعهم بمنحهم انطباعًا بأنه تاب ولم يعد ذلك الشخص النصّاب الذي عرفوه من قبل، فيمنحه بعض السذّج والطيبين الفرص مرة تلو أخرى، وفي كل مرة يكون "الخازوق" الذي يعدّه لهم أثخن وأطول ومؤلما أكثر من سابقه، ليس فقط لأنه نصب عليهم، بل لأن كثيرين سوف يلومون الضحية، ويهاجمونها، بعبارات من قبيل؛ "ولك شو رجّعك يا حمار، ولك كيف أمّنت له؟ ولك إنت مضحكة وبتستاهل يعمله فيك"، ألم تتب عن التعامل مع هذا النصّاب؟ يبدو أنك متواطئ معه "واللي من إيدُه الله يزيده".

أخطر هؤلاء النصابين هم العاملون في الساحة السياسية، محليًا وقُطريًا وحتى دوليًا، فأحدهم يعرف كيف يركب الموجة الرابحة، وكيف يربح مع الرابحين ويرقص معهم، ويعرف كيف يسرق إنجازات غيره وكيف يبيع الأوهام إلى الناس، وهو يعرف كيف يبقي نفسه في حالة من الهلامية يستطيع أن يأخذ شكل أي وعاء يدخل فيه.

النصّاب تجده في يوم الشهيد مثلا، يزاحم الشهداء على مجدهم، حتى يظن الناس أن روحه فارقته مرات وليس مرة واحدة، وتجده يزاحم الأسرى على تضحياتهم، والمضربين عن الطعام على جوعهم حتى يظنه الغشيم ابنًا للحركة الأسيرة، وتجده يزاحم المقاوم على ما قاوم، حتى تظن أنه نجا بأعاجيب من معارك كثيرة، ويزاحم المبدع في إبداعه، حتى يبدو مبدعًا لعدد من الفنون وليس لفنٍ واحد، فهو شريك في كل إنجاز، وهو هداف فريق كرة القدم إذا انتصر وهو مكتشف الخامات الشعرية والنثرية والكروية والمسرحية والرسم والباليه والكرة الطائرة، ولكنه في الحقيقة لم يضح ولن يضحي بمعاناة يوم واحد، ولا بقطرة عرق واحدة لأجل الآخرين ولا يعترف لمخلوق بإنجاز إلا إذا كان هذا الاعتراف يقود إلى فائدة شخصية له.

شخصية النصاب تحتم عليه بأن يكون بألف وجه.

إنه يشتم الخونة والخيانة، وفي الوقت ذاته هو أول من يحتضنهم ويطهّر سمعتهم باسم المسؤولية الوطنية ويرفع شعار"من لم يكن منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر". وهو الذي يهاجم القبَلية وينافق لزعيمها، هو من يهاجم التطبيع في الصباح وينسّق مع المطبّعين في المساء، ويهمس لهم، ويلمّح لهم بأن ما فعلوه هو الصحيح، وهو الذي يهاجم مطبعًا ويصفه بشتى الأوصاف الرديئة ثم يغفر لمطبع آخر ويعتبر ما فعله ضرورة وطنية، وهو الذي يلعن الظلم والظالمين ثم "يستقتل" كي يظهر على فضائية حاكم ظالم سفاح، وهو نفسه الذي يتحدث باسم الفقراء وفي الوقت ذاته هو أسوأ من يستغل فقرهم لقضاء حاجاته منهم.

النصاب يحارب العنف في الكلام، ولكنه يبادر إلى العنف عند أول مشكلة تواجهه، وحينئذ يعلن أن العنف الثوري مطلوب وضروري، ولا يعدم أمثلة من التاريخ.

النصاب يعتبر كل من يعارضه منتفعًا ويتلقى دعمًا من جهة ما، وعندما ينتفع هو من جهة ما أو من الجهة نفسها يعتبر أن هذا حقًا من حقوق الصمود، وليس منة من أحد.

ليس لدي سوى القول، يا ضحايا النصب والاحتيال استيقظوا واتحدوا.

اقرأ/ي أيضًا | القاتل واحد منّا...

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص