الكاميرا في مواجهة القمع...

الكاميرا في مواجهة القمع...

تحوَّل الهاتف بيد معظم الناس إلى سلاح له عدة رؤوس واتجاهات، أهمُّها أنه مكَّن كل إنسان من التقاط اللحظة في وقتها الحقيقيّ، بدون حذف أو رتوش أو تجميل، فجعل من كل مواطنٍ صحافيًا عفويًا قادرًا على نقل وتوثيق حدث ما، ما كان ليظهر، أو يدري أحدٌ به، لولا الفيديو الذي سجَّله الهاتف، حتى ولو كان بنوعية رديئة.

لقد قيل قديمًا، إن صورة واحدة بألف كلمة، فكيف وقد صارت إمكانية للصورة والكلمة وبالبثِّ المباشر؟

المقطع المصوّر الذي تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي في مستشفيين مصريين، في مدينتي الحسينية وزفتى، أظهر أهمية دور كاميرا الهاتف النَّقال.

فقد جرى نقل الفيديو في لحظات نفاد أسطوانات الأوكسجين، وانهيار مُمرِّضات، ما أدى إلى اختناق عدد من المرضى ووفاتهم.

هذا أثار التساؤلات؛ كيف يحدث أمرٌ كهذا؟ كيف يمكن للأوكسجين الطبي أن ينفد في مستشفى، في دولة مثل مصر؟

وكيل وزارة الصحة المصرية أصدر بيانًا ملفَّقا حول ما حدث، أنكر نفاد أسطوانات الأوكسجين، وتحدث عن وجود عشرات الأسطوانات الممتلئة في المستشفى، ولولا وجود الفيديو لصدَّقه الناس.

ما الذي نستنتجه من هذه الواقعة؟ أولا، لولا وجود الفيديو، لما درِي أحدٌ بما جرى، وبقي الأمر محصورًا بين عددٍ قليل من الأشخاص الذين لا صوتَ لهم، وسينتهي إلى أنها وفاة طبيعية ومتوقعة لمرضى كورونا.

في الأنظمة التي تحترم حياة الإنسان، يستقيل المسؤول الأول، وتحاسب إدارة المستشفى نفسه، وتمتد المحاسبة حتى تصل إلى وزير أو وزيرة الصحة نفسها، إلا أن وكيل وزارة الصحة وبكذب واضح يعرفه المواطن العربي جيَّدا في مثل هذه الحالات، صرّح بغير الواقع، وحاول إخفاء ما حدثَ، بل حاول قلب الحقيقة واتهام من صوّر الفيديو.

إذا كان أمرٌ خطيرٌ يتعلق بحياة وأرواح الناس يُعالَج بهذه الصورة، وبهذه التلفيقات، وينكر الصورة والصوت، فلكم أن تتخيَّلوا حال أولئك القابعين في ظلمات السُّجون لدى نظام كهذا بشكل خاص، وعمومًا في كل هذه الأنظمة الشبيهة والأسوأ، وكيف لا يرفُّ لها جفن وهي تلفّق التهم للمعارضين للتخلص منهم، وكيف تقدِّمُهم إلى محاكمات صُوَرِيَّة تؤدي إلى سجنهم عقودًا طويلة أو حتى إلى إعدامهم.

هذا ينطبق على عشرات آلاف السجناء السياسيين في الدول العربية الذين لا ندري عنهم شيئًا، تبتلعهم الظلمات حتى يلقوا حتفهم داخلها، أو أن يخرجوا منها مشوَّهين روحا وجسدًا بعد سنين طويلة من السجن، وفي أحيان كثيرة بغير تهمة واضحة.

لقد جعلت التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل من ممارسات الدكتاتورية والقمع عمليةً أصعب.

مثال ذلك، في خطوة جميلة، قرَّرَ مشاركون في ما يسمى "رالي داكار" وهو سباق سيارات لمسافات طويلة، سيقام في السعودية، المرور إلى جانب السِّجن الذي تقبع فيه الناشطة الاجتماعية السعودية، لُجين الهذلول، احتجاجًا على سجنها وتضمانًا معها، والتي يتمحور سبب اعتقالها، إلى نشاطها لأجل تحرُّرِ المرأة في السعودية، وهذا بعد حثِّ مديرة المبادرات الدولية مينكي ووردن في "هيومان رايتس ووتش" المشاركين في "رالي داكار" على إثارة موضوع الحريات في السعودية، حيث يقام سباق سيارات، بينما تقبع في السجون نساء بسبب مطالب بسيطة منها قيادة السيارة.

هناك من يغضُّ الطَّرف عن جرائم أنظمة بحق شعوبها دون أخرى، ويميِّز بينها، على أساس أن هذا النظام موالٍ وعميلٌ لأميركا وإسرائيل، وذاك نظام ممانع أو أنه مستهدَف من قِبل إسرائيل وأميركا. نعم يوجد أمرٌ كهذا، توجد أنظمة عميلة مباشرة لأميركا وحتى لإسرائيل، وتوجد أنظمة مستهدفة من قبل أميركا وإسرائيل.

ولكن بعد قرنٍ وأكثر من صراع أمَّتنا العربية مع الحركة الصهيونية ومع الاستعمار وقوى الاحتلال، مثل كثير من شعوب وأمم العالم، وبعد كلِّ ما مرَّ على أمتنا من مختلف ألوان الأنظمة، ملكية وجمهورية، وعسكرية، ومدنية، فإن المقياس الحقيقي في نهاية الأمر لأي نظام، هو موقفه من شعبه أوَّلا، من قيمة الإنسان في وطنه، وفي طريقة تعامله مع قوى المعارضة للسُّلطة، وكيف يتصرف في السُّلطة والقوّةِ والثروات التي بين يديه، وما هو مستوى الفساد في هذا النظام أو ذاك، هذا هو المعيار الحقيقي لأي نظام في العالم، وكذلك لدى أمتنا، وليس موقف أميركا أو الصين أو روسيا منه.

وكي لا يُشكِك أحدٌ كما هي عادة البعض، فإن الاحتلال الإسرائيلي لا يختلف في ممارساته القمعية والإجرامية والفاشية مع سجناء الحرية الفلسطينيين عن ممارسات أنظمة القمع العربي تجاه شعوبها، فهو معادٍ للصحافة وللصحافيين وللكاميرات، ويمكن أن يَقتل، وقد قتل صحافيين، مارسوا دورهم في فضح جرائمه التي نفذها وينفذها في حق طلاب الحرِّية من أبناء وبنات شعبنا.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص