السعوديّة العظمى... السعوديّة الهشّة

السعوديّة العظمى... السعوديّة الهشّة
بن سلمان (أ ب)

السعوديّة دولة عظمى، قادرة على هزيمة إيران، ويخوض جيشها حربًا في اليمن ضدّها وضدّ أذرعها، وحروبًا أخرى في العراق وسورية ولبنان، ضد إيران كذلك، ووليّ عهدها، محمد بن سلمان، محبوب ويستقبل في أرجاء العالم استقبالا يليق بإصلاحي مثله، يضع في جيبه الرئيس الأميركي وصهره.

هذا هناك، في "تويتر"، حيث الذباب الإلكتروني السعوديّ، وفي الصحافة السعوديّة وعند كتّابها، أمّا على أرض الواقع وفي الصحافة الجديّة الملتزمة، فحال مغاير تمامًا.

قد يجعل الجيشُ الإلكتروني ولي العهد، الذي هو كذلك وزير الدفاع، بطلا. غير أن للجيوش المقاتلة رواية أخرى، خصوصًا مع المشاهد التي بثّها الحوثيّون، الأحد، لجنود سعوديين يفرون من دباباتهم ومن ثم مكبّلين بعد إلقاء القبض عليهم.

من الجانب السعودي هذه الصور مهينة، وكان من المفترض، لو أن البلاد "ليبراليّة" كما يروّج لأحوالها بن سلمان في أميركا، أن تطيّر أشخاصا من مناصبهم وأن تثير هزّة سياسية في البلاد قد تطال بن سلمان نفسه، فلم يشاهد العرب مشاهد كهذه حتى في العراق بعد غزوه، وتذكّر بصور طوابير الأسرى المصريين بعد حرب الأيام الستة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي عام 1967.

وتزداد هذه المهانة، سعوديًا، من الاستعلاء على أهل اليمن، فيمتنع بن سلمان عن ذكر اليمن والحرب هناك، خلال مقابلته مع برنامج "60 دقيقة" إلا بما تسأله المذيعة، وكأنه لا يليق به إلا أن يتحدّث عن "التهديد الإيراني" وعن رؤى تكنولوجيّة تشغل الصحف الأميركيّة وشركات العلاقات العامّة هناك. دون أن تثير الصور الواردة من اليمن خشية عنده من مدى تأثير التكنولوجيا الأميركيّة، فالجيبات العسكرية المدمرة في نجران أميركيّة في حين أنّ المضادات الأميركية غير قادرة على التعامل مع الهجمات التي تبناها الحوثيون على منشأتي "أرامكو"، بينما تفضّل الولايات المتحدة وإسرائيل نسبها لإيران.

قد يشكّل بن سلمان لجنةً لفحص ما حدث في اليمن، وعلى الأرجح لن يفعل، لكنّها ستبحث ما حدث تقنيًا وعسكريًا، ولن يلامس البحث، أبدًا، جوهر النظام السعودي ولا دوره.

هذا الجوهر، يمكن الانكشاف إليه في مكان آخر، في وثائقي يحمل اسم "ولي العهد"، بثّته قناة "بي بي إس" الأميركيّة.

يمكن الاستنتاج من الوثائقي أن هدف بن سلمان الوحيد هو الوصول إلى العرش، وهذا ليس جديدًا، الجديد هو كشف البيئة التي ترعرع في ظلّها بن سلمان والدوائر المحيطة به، ويمكن الاستنتاج أن حمامات الدمّ الناجمة عن الحرب في اليمن وحصار قطر والتورّط في دولٍ أخرى، لن تتوقّف بمجرّد وصوله إلى الحكم. فالصراع لتثبيت السلطة قد يستبدل الصراع على الوصول إليها.
كانت حرب اليمن طريق ابن سلمان للوصول لمنصب وليّ وليّ العهد، بينما كان حصار قطر والقمّة الأميركيّة – السعودية في الرياض طريقا لوصوله لولاية العهد بعد عزل ابن عمه، الأمير محمّد بن نايف، أمّا ما قد يفعله للوصول إلى العرش ولتثبيت العرش، لاحقًا، فما زال غير معروف.

كان الملك سلمان، لسنوات، أمين سرّ العائلة الحاكمة ورئيس مجلسها، المنوطة به قضاياها، ما يعني أن كل الشكاوى وفضائح أعضاء الأسرة الحاكمة خضعت لرأيه ومشورته، وكان بن سلمان يتابع كل ذلك.

يورد الوثائقي، على سبيل المثال، أن الملك سلمان عندما كان أميرًا كان يحتجز الأمراء الصغار المدينين في فيلا فخمة لإجبارهم على دفع مستحقّاتهم. أيذكر هذا بشيء؟ نعم، باحتجاز الأمراء ورجال الأعمال في فندق الـ"ريتز كارلتون" الفخم بالرياض، وعدم الإفراج عنهم حتى تنازلوا عن جزء من ثرواتهم، لكن هذا "الجزء" يقدّر بمئة مليار دولار!

السعوديّة "دولة هشّة" منشغلة بتوازناتها الداخليّة، وعلاقاتها الخارجية تخضع لهذه التوازنات، حتى الصحافي جمال خاشقجي تحوّل من حليف لآل سعود إلى غريم قتل بالطريقة الشنعة التي قتل بها، بحسب الوثائقي، فقط لأنه انتقد الرئيس المنتخب حديثا حينها، دونالد ترامب، وهو ما فسّره بن سلمان على أنه تحدٍ شخصي له.

أمّا قوّة السعوديّة الخارجيّة التي يبدو أنها تمتّعت بها في السنوات الأخيرة، جاءت في ظلّ ظروف إقليمية ودولية معيّنة، منها تراجع إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، عن أولويّاتها في المنطقة العربيّة، وازدادت شدّة مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، الذي حسم توازنات داخل الأسرة الحاكمة.

وهذه الظروف الإقليميّة والدولية منكشفة على التغيّر الآن، فترامب يواجه احتمال العزل، بينما أثارت جريمة قتل خاشقجي الشنيعة خشية من التعامل مع السعوديّة، حتى من قبل رئيس الموساد، يوسي كوهين، الذي نقل عنه مقرّبون لصحيفة "جيروزاليم بوست"، أمس، الأحد، بما معناه أن "التعامل مع السعوديّة لن يكون مقابل التكنولوجيا الإسرائيليّة الحساسة"، التي استخدمت في جريمة اغتيال خاشقجي.

عزل بن نايف، لحظة انقلاب التوازنات (أ ب)
عزل بن نايف، لحظة انقلاب التوازنات (أ ب)

بلغ إجرام بن سلمان حدًا ما عاد فيه حتى الإجرام الإسرائيلي قادرًا على التستّر عليه أو التماهي معه، وباتت العقود الاقتصادية معه إدانة لترامب بدلا من أن تكون داعمة له.

والحال كذلك، في ظلّ تغيّر الأوضاع إقليميًا ودوليًا، وتجاوز بن سلمان للقواعد التي حكمت الأسرة الحاكمة ما يفتح الباب أمام انكشاف الحماية الداخلية له، قد يكون الباب مناسبًا لممارسة ضغوط جدّية على النظام السعودي، لتحقيق إنجازات شعبية وديمقراطية ووطنيّة حقيقيّة، أبعد بكثير من السماح للمرأة بقيادة السيارة، التي يروّج لها بن سلمان.