يتقدّم المطبخ الدنماركي إلى قمم فن الطهو، مع أنه كان شبه غائب قبل نحو عقدين، إذ أن المركزين الأولين في ترتيب أفضل المطاعم في العالم باتا راهنًا من نصيب الدولة الإسكندينافية التي تُوالي حصدَ نجوم "ميشلان"، حتى باتت كوبنهاغن الوجهة الجديدة لعشاق اللقمة اللذيذة.

تابعوا تطبيق "عرب ٤٨"... سرعة الخبر | دقة المعلومات | عمق التحليلات

فقد تبوأ مطعم "نوما" ونجمه الشيف راينه ريديسيبي ومطعم "جيرانيوم" بقيادة راسموس كوفود المركزين الأول والثاني في التصنيف الذي نشرته قبل أيام مجلة "ريستورانت" البريطانية لأفضل 50 مطعمًا في العالم.

وذكّرت أستاذة التسويق في كلية كوبنهاغن للأعمال سيلفيا غيموثي بأن المطبخ الدنماركي "لم يكن شيئًا قبل عشرين عامًا، عندما بدأ راينه ريديسيبيفي تحديث المطبخ الاسكندنافي، ارتكازًا على الأطباق المحلية التي تحترم المعايير الأخلاقية".

ولاحظت أن هذا المطبخ "كان فريدًا جدًا في حين بات هو الآن الذي يحدد جدول الأعمال".

فمملكة البطاطا التي تعصف رياح الشتاء الباردة بحقولها من بحر الشمال وبحر البلطيق، لا تمتلك للوهلة الأولى أية مقومات تتيح لها منافسة بلدان جنوب أوروبا التي تغمرها أشعة الشمس ويُدغدغ طهاتها براعم التذوق منذ قرون.

والمفارقة أن نجاح المطبخ الدنماركي المعاصر يعود إلى عدم عراقة الطهو الراقي، مما جعل الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام الابتكار.

ورأى مؤسس دليل الطعام الدنماركي "دن دانسكه سبيسيغايد" بنت كريستنسن أن "ثمة الكثير من المطاعم في العالم يعتمد فيها الطهاة على ما تم إنجازه سابقًا، وبالتالي هم ليسوا خلاّقين.أما رينيه ريديسيبي وراسموس كوفود فلا يكتفيان إطلاقا بما حققاه. من المميز جدًا أن تكون شخصيتان من هذا النوع موجودتين في بلد بهذا الصغر" .

واعتبر أن صعود المطبخ الدنماركي يعود بدرجة كبيرة إلى الحركة الشابة النشطة التي يشهدها، بدفع من هذين الطاهيين الحاصلين على جوائز، وكذلك إلى ما توفره السمات الجغرافية المحلية من مزايا لم تكن تحظى بالتقدير اللازم.

وقال "أينما كنت في الدنمارك، لا تبعد أكثر من 40 كيلومترًا عن البحر، وهذا أمر رائع للأسماك". واضاف "الميزة الجيدة في مناخنا تتمثل في أن لدينا بالفعل أربعة فصول، ما يتيح للخضر أن تنضج ببطء."

لذلك فإن قوائم المطاعم تأخذ المواسم في الاعتبار، وتراعي السمعة البيئية للدنمارك والخصائص المحلية، كالملفوف الذي يطلق عليه ريديسيبي تسمية "جوز الهند الشمالي".

فمطعم "جيرانيوم" مثلًا يوفر لزبائنه قائمة مستوحاة من "عالم الخريف"، قوامها الخرشوف المقدسي والكركند المشوي ونبق البحر والبط. أما "نوما" فطوى للتو صفحة قائمته الصيفية وابتكر شمعة مذهلة من الكراميل بالزعفران صُنع فتيلها من الجوز المبشور المنقوع في زيت الهيل العطري.

وأوضحت غيموثي أن رينيه ريديسيبي يعمل باستمرار على ابتكار الأطباق الجديدة، مستندًا على المنتجات المحلية وعلى التخمير الذي يسمح لأكواز الصنوبر مثلًا بأن تصبح صالحة للأكل.

وأشارت إلى أن أطباقه تعكس التزامًا "بالنقاش في شأن الغذاء والمناخ وظروف العمل والمساواة"، وهو "يستخدم دوره فعليًا لتحقيق أجندة مجتمعية قوية".

بعد مدة وجيزة من حصوله في أيلول/ سبتمبر على نجمة "ميشلان" الثالثة، حصل "نوما"، الثلاثاء، على المركز الأول في قائمة أفضل 50 مطعمًا في العالم، مطيحًا بمطعم "ميرازور" للشيف ماورز كولاغريكو في مانتون بجنوب شرق فرنسا.

وسبق لـ"نوما" أن نال اللقب نفسه أربع مرات خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

إلا أن الأطباق الشهية التي تنتجها مخيلة الشيف تبقى حكرًا على الأثرياء، إذ تبلغ تكلفة تناول وجبة في هذا المطعم 2800 كرونة (440 دولارًا)، من دون احتساب المشروبات.

وأقرت غيموثي بأن هذه الأطباق "منتجات شديدة النخبوية"، لكنها لاحظت أن "نجاحها ينعكس على طريقة تفكير الدنماركيين العاديين في ما يتعلق بطعامه".

ورأت أنها تساهم تدريجًا في تغيير العقليات مما يجعل الدنماركيين أكثر وعيًا باستخدام منتجات الموسم المزروعة محليًا ، والحدّ من بصمتهم المناخية.

وللنجاحات التي يحقهها المطبخ الدنماركي تأثير واضح أيضًا على قطاع المطاعم ككلّ.

وقال كريستنسن إن "الدنماركيين كانوا يسافرون لتذوق الطعام، أما الآن فالعكس هو الصحيح، إذ يأتي الناس إلى الدنمارك للدراسة".

وأفادت هيئة الترويج للسياحة الدنماركية "فيزيت دنمارك" بإن 38% من السياح الأجانب الذين زاروا كوبنهاغن عام 2019 جاؤوا لأسباب تتعلق بتذوق الطعام.

اقرأ/ي أيضًا | خمس سكان العالم مسنون بحلول 2050