دراسة إسرائيلية: الأزمة بين ترامب والاستخبارات تقوّض الحقيقة

"في أساس الأزمة يوجد مفهوم مقلق لدى ترامب إزاء دور الاستخبارات في استيضاح الواقع خلال عملية اتخاذ القرارات ومكانة الجهات المهنية في هذا المجال، والحالة الأميركية تضع إشارات تحذير أمام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أيضا"

دراسة إسرائيلية: الأزمة بين ترامب والاستخبارات تقوّض الحقيقة

"تخوف من تدخل روسي": ترامب خلال مهرجان انتخابي، الشهر الماضي (أ.ب.)

رغم تعقيدات العلاقة بين صناع القرار وأجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة معقدة، إلا أن العلاقة بين هذه الأجهزة والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تعكس أزمة عميقة. وبحسب دراسة سعت إلى تحليل هذه الأزمة، وصدرت عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، أمس الخميس، فإن جزءا من انتقادات ترامب مبررة وتعكس مشاكل أساسية تعاني منها الاستخبارات الأميركية، إلا أنه في أساس الأزمة "يوجد مفهوم مقلق لدى ترامب إزاء دور أجهزة الاستخبارات في استيضاح الواقع خلال عملية اتخاذ القرارات ومكانة الجهات المهنية التي تعمل في هذا المجال... ورغم اختلاف العلاقات بين الاستخبارات وصناع القرار في إسرائيل عن تلك التي في الولايات المتحدة، إلا أن الحالة الأميركية تضع إشارات تحذير أمام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أيضا".

وأشارت الدراسة إلى أن سعي ترامب لتعيين سياسيين، مثل مندوب ولاية تكساس في مجلس النواب، جون راتكليف، لمنصب مدير الاستخبارات الوطنية (DNI)، "يعكس أزمة عميقة في العلاقة بين أجهزة الاستخبارات ومؤسسة الرئاسة المستمرة منذ بداية ولايته". فقد وصف ترامب أداء الاستخبارات الأميركية، بعد التحقيقات في التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة السابقة، بأنه مثل "ألمانيا النازية"؛ وأقال ترامب رئيس مكتب المباحث الفدرالية (FBI)، جيمس كومي، في أيار/مايو العام 2017؛ وبعد سنة ادعى ترامب أن أجهزة الاستخبارات تراقبه بشكل غير قانوني؛ وفي آب/أغسطس 2018، ألغى ترامب التصنيف الأمني لرئيس وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، جون برنين، بعد أن انتقده الأخير؛ ونشر ترامب تغريدة بعد استعراض التهديدات السنوية في الكونغرس، تغريدة في "تويتر" وصف فيها أفراد أجهزة الاستخبارات بأنهم "ساذجون وجامدون" ودعاهم إلى "العودة إلى المدرسة"؛ وفي تموز/يوليو الماضي أقال ترامب مدير الاستخبارات الوطنية، دان كونس.

راتكليف في الكونغرس، نهاية العام الماضي (أ.ب.)

وأشارت الدراسة إلى أن أداء ترامب في هذا السياق هو جزء من صراع أوسع، "الذي يخوضه ترامب وقادة حاليين آخرين في أنحاء العالم ضد أجهزة اعتبرت طوال سنين أنها مسؤولة عن استيضاح الواقع وفهمه بواسطة تحليل مهني يستند إلى حقائق، وبينها جهاز القضاء وإنفاذ القانون، الأكاديميا وفي بعض الحالات وسائل الإعلام أيضا. وبنظر ترامب ومؤيديه، تسيطر على هذه الأجهزة ’الدولة العميقة’، أي ’حكم الظلال’ لنخب تفرض مواقفها وقيمها على المستوى السياسي المنتخب. وينظر ترامب ومؤيدوه إلى أجهزة الاستخبارات الأميركية، وخاصة بما يتعلق بالتحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات وبإجراءات الإطاحة ضده في الكونغرس، على أنها شركاء كاملين في محاولة الإطاحة، إلى جانب مندوبي الحزب الديمقراطي ووسائل الإعلام".

ويشار إلى أن عددا من قادة أجهزة الاستخبارات السابقين، وخاصة من فترة ولاية باراك أوباما، تحولوا إلى أكثر المنتقدين لترامب، في السنتين الأخيرتين. وتشمل هذه الانتقادات شخصية ترامب وقدراته وسياسته وأهليته لتولي منصب الرئيس. ويصفونه بأنه يفتقر لمعرفة قضايا الأمن القومي، ولا يعتم بتوسيع مداركه، ويتجاهل بشكل منهجي معلومات تتناقض مع أهدافه وسياسته، ويدأب على نفي ونقض تقييمات وحقائق لا تتجانس مع الرواية التي يطلع إلى دفعها قدما، ويعتمد على مصادر معلومات منحازة وخاطئة، ويعمل بتسرع وبشكل يضع مصادر حساسة في خطر، ويمنع نقل معلومات إلى الكونغرس، وبحسب تقارير فإنه يوجه رصد موارد وعمليات استخبارية وفقا لأجندات سياسية.

انتقادات ترامب

رفض ترامب تقييمات الاستخبارات في عدة حالات، وفقا للدراسة، بينها رفضه عدة مرات لتقييمات الاستخبارات حيال مستقبل البرنامج النووي لكوريا الشمالية ومدى التزام الأخيرة بالتفاهمات مع الولايات المتحدة؛ وبعد اغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، نفى ترامب تقرير الـCIA حول وجود معلومات استخبارية موثوقة تشير إلى ضلوع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في الاغتيال؛ هاجم ترامب، في بداية العام الماضي، التقييمات الاستخبارية، وبموجبها أن تنظيم "داعش" سيستمر في تشكيل خطر عالمي رغم الضربات التي تلقاها.

وهاجم ترامب أجهزة الاستخبارات بعد استعراضها تقرير التهديدات السنوي أمام الكونغرس، بداية العام الماضي، وجاء فيها أن إيران لا تخرق الاتفاق النووي، الذي كان ترامب انسحب منه. كذلك انتقد ترامب أساليب عمل أجهزة الاستخبارات "القديمة" وفشلها في منع هجمات تنظيم القاعدة في 11 أيلول/سبتمبر العام 2001، وتقييماتها الخاطئة بشأن وجود أسلحة غير تقليدية بحوزة العراق في العام 2003. وفي بداية ولايته، أعلن ترامب أنه ليس بحاجة إلى إحاطة الاستخبارات اليومية له، والتي تعتبر أحد أعمدة العلاقة بين الاستخبارات والرئيس. وهاجم ترامب هذه الأجهزة، في عدة مناسبات، ووصفها بأنها مسيسة، وأنها لا تعمل بموجب القواعد المتبعة، واتهمها بالعمل غير القانوني بهدف المس بصورته.

ترامب وبوتين خلال لقائهما في قمة العشرين في اليابان، تموز/يوليو الماضي (أ.ب.)

وقالت الدراسة إن "تحليل الخلافات يظهر أن قسما من انتقادات ترامب مبررة وتتطرق إلى مشاكل أساسية معروفة وموجودة بالفعل لدى أجهزة الاستخبارات الأميركية وغير أميركية، وبينها فجوات منهجية وتنظيمية تشبب إخفاقات بالتقديرات، وكذلك إجراءات عمل قديمة ولا تتلاءم مع التغييرات الحاصلة في عالم المعلومات. كما أن ترامب يشخص بشكل صحيح قيود الاتجاه الاستخباري القديم ومشاكله، والتي تميز أجزاء من أجهزة الاستخبارات الأميركية وتنعكس من خلال ادعاءات منتقديه. وهذا الاتجاه، بصيغته المتطرفة، ينظر إلى أفراد الاستخبارات كمربين لصناع القرار ويطلبون لأنفسهم احتكار استيضاح الواقع بشأن العدو والمحيط. وتدل عدة كتب صدرت مؤخرا، من تأليف مسؤولين كبار سابقين في الاستخبارات، أن لهذا الاتجاه وجود قوي في أجهزة الاستخبارات الأميركية... وأعداد كبار المسؤولين في الاستخبارات الذين استقالوا وتمت إقالتهم يدل أيضا على الصدامات والخلافات بين ترامب وكبار مسؤولي المؤسسة السياسية – الأمنية".

وأضافت الدراسة أن هذه الخلافات بين ترامب وأجهزة الاستخبارات ليست أمرا نادرا في الدول الديمقراطية الغربية، وأن الكثير من قادة هذه الدول انتقدوا أجهزة الاستخبارات على خلفية إخفاقات في توفير تقييمات، أو عدم الاتفاق حولها. ورغم ذلك، أدرك معظم قادة تلك الدول ضرورة استيضاح أجهزة الاستخبارات للواقع بشكل مهني والاعتماد على الحقائق قبل أي شيء آخر. "والشكل الذي يستغل فيه ترامب الاستخبارات لاحتياجاته السياسية، الحزبية والشخصية إشكالي بالفعل، لكن هذه ظاهرة جديدة جدا".

وأشارت الدراسة إلى أنه "في أساس الأزمة بين ترامب وأجهزة الاستخبارات ثمة شيء أعمق، ومتعلق بأسلوب ترامب أكثر من أن ذلك بمفهومه الأساسي مهمة أجهزة استيضاح الواقع في عملية صناعة القرار. وفي السياق الاستخباري، ترامب يقوض عمليا، بشكل علني وصارخ، أساسين مركزيين للعمل الاستخباري: التشديد على الخبرة المهنية، محاولة واستخدام أساليب عمل منهجية غايتها تقليص أخطاء وضمان تحليل محايد بقدر الإمكان للواقع؛ ومركزية المعطيات والمعلومات – ’الحقائق’ – في العملية الاستخبارية. وفي حالات كثيرة، ادعاءات ترامب ليست جزءا من نقاش شرعي حول مضمون التقييم الاستخباري الإستراتيجي، وإنما نفي شامل لمجرد شرعيتها والضالعين في بلورتها".

ورأت الدراسة أن موقف ترامب من أجهزة الاستخبارات "متأثر من دون شك من وضعه السياسي والقضائي. والمثال الأبرز هو تعامله مع قضية التدخل الروسي في انتخابات العام 2016. ويرى ترامب بالاستنتاجات الاستخبارية الحازمة، التي تدل على أنه جرى تدخل روسي متشعب وموجه لصالح انتخابه، مسا جوهريا بشرعيته كرئيس منتخب. ولذلك هو يقوضها، من خلال تشويه مقصود للحقائق الواضحة في هذه القضية".

صدام بين منظورين

قالت الدراسة إن الأزمة بين ترامب وأجهزة الاستخبارات الأميركية "تعكس صداما وجها لوجه بين وجهتي نظر مختلفتين حيال الواقع: الأولى، ترى به أمرا حقيقيا، ينبغي استيضاحه وفهمه؛ والثانية ترى به ساحة ألعاب لتأثير بالقوة. وثمة مكان لهذين المنظورين طبعا، لكن الخلط بينهما يصعّب القدرة على استيضاح الواقع وفهمه. وهذا الصدام ليس جديدا، لكن ما تم فعله في الماضي في الغرف الخلفية، أو بعد خروج أفراد الاستخبارات من الغرفة، يتم فعله لدى ترامب بشكل مكشوف بالكامل".

وأضافت الدراسة أنه يصعب تحليل تبعات الأزمة على الأداء الفعلي لأجهزة الاستخبارات ونوعية عملية صناعة القرار في شؤون الأمن القومي. "وما تم نشره بهذا الصدد منحاز جدا إثر التقاطب السياسي وثمة شك إذا كانت المرحلة الراهنة توفر وجهة نظر لائقة للبحث في هذه المسألة. وهكذا، فإنه حتى قرار صحيح ومبرر لترامب باغتيال قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، الذي عكس أيضا، على ما يبدو، رؤية واقعية من جانبه إلى الواقع المعقد، يواجه انتقادات كثيرة من جانب معارضيه".

وأشارت الدراسة إلى أنه "في أمور أخرى، يبدو أن عدم استعداد ترامب لتقبل الحقائق كما هي هو أحد الأسباب التي تجعله يمتنع عن العمل ضد تهديدات معينة، موجودة وآخذة بالتبلور. وفي حالات أخرى، عدم رغبته بالعمل، يقوده إلى الكفر بحقائق وتحليل مهني يستند إليها. وفي جميع الأحوال، خصوم الولايات المتحدة، مثل إيران وروسيا، يسعون إلى استغلال تراجع الثقة بأجهزة الاستخبارات بهدف دبّ الشك لدى الجمهور، الرئيس وشركاء أجانب بما يتعلق باستنتاجاتها وأساليب عملها. وتوجد على ما يبدو شهادات، بموجبها أن اعتماد ترامب على مصادر معلومات غير موثوقة، يقود إلى أن مناورات إعلامية ومعلومات خاطئة تجد طريقها إلى غرفة صناعة القرار، وتؤثر على قرارات تتعلق بالأمن القومي".

وتؤثر هذه الأزمة على عمل أجهزة الاستخبارات الأميركية. "في بعض الأمور، ومثال على ذلك التقديرات التي استعرضت حول موضوع حساس جدا مثل تدخل روسي محتمل في انتخابات الرئاسة في العام 2010، تصر أجهزة الاستخبارات على آرائها المهنية. ورغم ذلك، توجد أدلة على الامتناع عن احتكاكات مع ترامب في بعض المواضيع. كذلك يلاحظ حدوث تراجع عن سياسة الشفافية النسبية التي ميزت إدارة سلف ترامب، الرئيس باراك أوباما، ويمتنع كبار المسؤولين في الاستخبارات بشكل يكاد يكون مطلقا عن ظهور علني لا يلزم القانون به".

وخلصت الدراسة إلى التطرق للعلاقة بين صناع القرار والاستخبارات في إسرائيل. "صعوبة استيضاح الواقع وفهمه واتخاذ قرارات صحيحة في شؤون الأمن القومي كان موجودا دائما. وقاد إلى إخفاقات كبيرة ومعروفة، للاستخبارات الإسرائيلية أيضا. وعلاقات الاستخبارات وصناع القرار في إسرائيل مختلفة عن تلك الموجودة في الولايات المتحدة، والاستخبارات الإسرائيلية متحررة من جزء من المشاكل التي تميز منذ سنوات نظيرتها الأميركية. ورغم ذلك، يمثل ترامب، بمفاهيم مختلفة، الفترة التي تواجه فيها الاستخبارات، ليس فقط اليقين الكامن في الواقع الدينامي، وإنما سلسلة مشاكل جديدة. وروح هذه الفترة ليست محدودة في أميركا، فصعوبة استيضاح الواقع ظاهر اليوم في أماكن كثيرة ومكانة الحقيقة تتقوض في إسرائيل. وتضع الحالة الأميركية إشارات تحذير لأجهزة الاستخبارات في إسرائيل أيضا وأمام كل من يؤمن أن استيضاح الواقع وفهمه هو عنصر هام في بلورة السياسة واتخاذ القرارات في قضايا الأمن القومي".

التعليقات