أيامٌ في حيفا../ د. سميح مسعود

حيفا مسقط رأسي، رحلت عنها قسراً يوم احتلالها، لكنها بقيت معي منقوشة في الذاكرة، أسترجعها دوماً عبر أحلامي من خبايا ذلك الزمن البعيد... أسارع دوماً إلى قلمي لإعادة تشكيل مفاتن بحرها وكرملها وعلياء عرشها، وحتى وجوه أهلها، بما فيها من جاذبية وعذوبة، ويعود لي مع دغدغات مشاهدها كل ما كان لي في طفولتي الباكرة

أيامٌ في حيفا../ د. سميح مسعود

حيفا مسقط رأسي، رحلت عنها قسراً يوم احتلالها، لكنها بقيت معي منقوشة في الذاكرة، أسترجعها دوماً عبر أحلامي من خبايا ذلك الزمن البعيد... أسارع دوماً إلى قلمي لإعادة تشكيل مفاتن بحرها وكرملها وعلياء عرشها، وحتى وجوه أهلها، بما فيها من جاذبية وعذوبة، ويعود لي مع دغدغات مشاهدها كل ما كان لي في طفولتي الباكرة.

سجلت صلتي بحيفا في كتاب لي صدر مؤخرا عن دار الفارابي ببيروت بعنوانٍ يجمع ما بين مدينتي وقريتي : " حيفا... بُرقة البحث عن الجذور " اتسعت فيه حيفا بمساحة واسعة شاسعة مليئة بحاراتها وبيوتها وشوارعها وأزقتها ومحلاتها وأوراق أغصان أشجارها الصنوبرية... شكلتها في كتابي بمشاهد لها من أربعينيات القرن الماضي، بربطٍ وتتابع ٍعلى اتساع امتداداتها المكانية بين البحر وأعالي الكرمل.

عبرتُ في كتابي عن تواصلي الدائم مع حيفا، وضعت فيه كثيراً من ذاتي... ذيلته بحواشي مشاهد كثيرة منها من زمن مضى، ورصعته بذكريات قديمة لا تزال في خاطري مؤثرة وبليغة الأثر، تنبعث من أعماق بواكير أيامي فيها قبل احتلالها وتجمُع الأيدي والنصال عليها.

كانت بي رغبة شديدة لإيصال كتابي إلى حيفا، تمكنت بجهودي الذاتية من إيصال خمس نسخ فقط، ومن ثم تمكنتُ بفضل صديقي الناشر المعروف صالح عباسي صاحب ومدير مكتبة كل شيء من إيصال عدد كبير من النسخ ضمن رزم كتب عربية كثيرة يُدخلها تباعا ًإلى حيفا.

ابتهجتُ عندما تلقيت مخابرة هاتفية من الصديق صالح عباسي يُعلمني بها بأن كتابي قد وصل حيفا، واقترح عليّ في حديثه معي أن نعمل سوية على إشهار الكتاب في أمسية خاصة... وافقت على اقتراحه في الحال لأنني كنت أحلم في إشهار كتابي في مسقط رأسي، ومن حسن حظي أن صديقي الدكتور جوني منصور إقترح علي إقامة مثل هذه الأمسية أيضا، وجدت في اقتراحهما أجمل دعوة أتلقاها في حياتي.

ولهذا توجبَ الذهاب إلى حيفا لإشهار الكتاب، اتجهنا زوجتي وأنا في عصر ذات يوم من أواخر أيام آب الماضي إلى زيارة الوطن، زرنا بداية إكسال وقلنسوة واستقبلنا استقبالاً طيباً من الأهل، ومن ثم حطت بنا الرحال في حيفا، وصلناها برفقة الصديق جوني منصور، ابتهجت زوجتي لانها لم تزرها من قبل، ولهذا اهتم مضيفنا بتعريفها على حيفا، عرفها على بيت أهلي في شارع الناصرة ومدرستي في شارع البرج، وعرفها على ساحة الحناطير ووادي الصليب وبقية أجزاء البلدة التحتا بكل تفاصيلها... تجولنا طويلا في السيارة عبر الشوارع، واجتزنا وادي النسناس والالمانية والحليصة والكرمل وبعض أجزاء حيفا الأخرى، التي كانت تعج قبل النكبة بالحياة اليومية الجارية... فيها عشت طفولتي الباكرة، ومنها بدأت رحلتي مع الحياة التي وصفتها في كتابي.

بعدها التقينا مع الشاعرة ليليان بشارة زوجة جوني، كان اللقاء طيباً بكل المقاييس تناولنا العشاء معا في مطعم جميل عند حافة البحر، واصلنا الحديث عن حيفا أثناء تناولنا الطعام، وكنت أنظر بين الحين والحين للكرمل المعلق بطرف الأفق وهو يُلهبه الشفق، وأتأمل البحر الممتد أمامنا على مدى النظر، واتابع بسعادة فائقة أمواجه، موجة إثر أخرى، ومع الوقت بدأ الليل يُرخي غلائله حولنا، وعندما قارب على الانتصاف عدت مع زوجتي إلى إكسال قرب الناصرة... غادرنا حيفا على أمل العودة لها ثانية بعد عدة أيام لإشهار كتابي فيها.

من دواعي اعتزازي أن الدعوة التي وجهت لحضورأمسية إشهار كتابي قد وجهتها ثلاث جهات فلسطينية بارزة هي : المجلس المّلي الأرثوذكسي ونادي حيفا الثقافي ومكتبة كل شيء، وإني من منطلق ما يدعوني اليه واجبي الوطني، لا أتردد في أن أقول بكل موضوعية، وبعيداً عن ألمبالغة، أن تصدر المجلس المّلي الأرثوذكسي للجهات الداعية قد أسعدني، نظراً إلى مكانته المتميزة التي اكتسبها في تاريخ حيفا، في مجال تعزيز التآخي بين أبناء الوطن الواحد، بغض النظرعن اختلاف المنبت والمعتقد، ويكفي أن أذكر أن الشاعر الفلسطيني الكبير عبد الكريم الكرمي "ابو سلمى" قد تبوأ فيما مضى مركز سكرتير النادي الأرثوذكسي، أحد أهم الأندية في حيفا، واكتسب النادي نتيجة ذلك دلالات كثيرة ساهمت في ترسيخ الهوية والشخصية الوطنية للمجتمع الفلسطيني.

في اليوم المحدد لإشهار كتابي، عدت ثانية إلى حيفا مع زوجتي وأقرباء لي من إكسال من آل شلبي وآل دراوشة: عمر وادريس وعبد السلام وحسناء ونديم ورنا والدكتور أميروعمر، التقينا مع جمهرة من الحضور من ضمنهم مجموعة من أبناء بُرقة الحيفاويين، وتم إشهار الكتاب في إحدى قاعات الكلية العربية الأرثوذكسية في حيفا.

ومن واجبي أن لا أخفي سعادتي بالذين تحدثوا في حفل إشهار كتابي، أعتز بهم، وأشيد بمساهماتهم القيمة، وأود أن اتوجه بالشكر إلى كل واحد باسمه : الاستاذ والشاعر الكبير حنّا أبو حنّا، وابن قريتي بُرقة الدكتور سهيل أسعد، والفنان عبد عابدي، والاستاذ والروائي جريس طنوس، والدكتور جوني منصور، وابنة عمتي حسناء دراوشة.

ومن أفضال هذه الأمسية أنها هيأت لي فرصة اللقاء لأول مرة في حياتي مع ثلة من أهل مسقط رأسي حيفا، ومن ابناء قريتي بُرقة الحيفاويين، ومكنتني من كسب مزيد من الأصدقاء أخص بالذكر منهم، الشاعر حنّا أبو حنا والدكتور سهيل أسعد، و المحامي فؤاد نقارة، والشاعرة سعاد قرمان، والشاعرة آمال رضوان والكاتبة روضة غنايم، والسيدة منى أسعد، والسيدة كريمة معلم، وحفيدة عمتي شهيرة شلبي ( التي رأيتها أثناء الأمسية لأول مرة في حياتي )، وإلياس أسعد ضاهر، وحنا نصر الله، والفنان شحادة ديب، وزميل طفولتي في مدرسة البرج الحيفاوية راشد الماضي الذي لايزال يعيش ويعمل في حي وادي النسناس في حيفا، وقد التقيت به أثناء الأمسية بعد 65 عاما من الفراق، وسط مشاعر مختلطة امتزجت فيها الدموع والذكريات.

ومن أفضال هذه الأمسية أيضاً أنها هيأت لي فرصة التعرف على مكتبة كل شيء، زرت صاحبها صديقي صالح عباسي في مكتبه لأول مرة، وسرعان ما وجدتني مدفوعاً للتحدث إليه عن لقائنا الأول في الناصرة، ومقدماً اليه شكري على إيصال كتابي إلى حيفا، وبينت له في سياق حديثي أن مكاتبه تقع في بناية أبو حوا القريبة من بيت أهلي الذي ولدت فيه، وقد ذكرتها أكثر من مرة في كتابي، وقد أكد لي محدثي صحة هذه المعلومة، ونقلني في حديثه إلى أجواء مشحونة بالإثارة حين أخبرني أنه يمتلك البناية، كما يمتلك بيت أهلي المجاور لها، تمكن من شراء البناية والبيت من الجهات المعنية بأملاك الغائبين في حيفا... هزني حديثه من الأعماق، أحسست بسعادة شاملة تملأ نفسي، وتراءى لي وأنا موزع النفس بين عالمي ما قبل النكبة واليوم، أن صديقي سيحافظ على بيت أهلي وينقذه من دمار وشيك لعدم صيانته طيلة السنوت الماضية، وأملي أن يكون عمله هذا قدوة للاخرين، بأن يشتري أبناء حيفا أملاك الغائبين، لكي يحفظوا للأجيال القادمة ما أنجزته أيدي أهل حيفا في زمن مضى.

ويبقى عليَ أن أشيد باعتزازٍ بالجهد الذي بذلته الشاعرة آمال رضوان في إعداد تقريرطويل عن الأمسية على امتداد احدى عشرة صفحة، نشرته مع مجموعة من الصور في عدد كبير من المواقع الفلسطينية والأردنية وفي جريدة القدس، كما أشيد بالمبادرة الجميلة التي قامت بها الكاتبة روضة غنايم في اليوم التالي للأمسية ومفادها تصوير كتابي بين أشجار بستان الخياط من معالم حيفا الجميلة الذي كنت أزوره في أيام طفولتي الباكرة، وأرفقت تلك الصورة بملخص تعريفي للبستان اقتبسته من كتابي، في إطار تقرير موجز بثته عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا لابد لي من الإقرار بانني لم أكرم في حياتي كما كُرمت في تلك الأمسية، ما سمعته من مديح لكتابي يمدني بزاد مشجع على مواصلة البحث عن الجذور، في أكثر فروعها امتداداً في أرض الآباء والأجداد الغالية، كوسيلة من وسائل التعرف على الذات والآخر، وإبقاء الذاكرة الجمعية حية على مدى الأيام.

ولا بد لي من الإقرار أيضأً أن تلك الأمسية، ستبقى بكل تفاصيلها بملء السعادة ماثلة أمامي، ظاهرة للعيان على مر الأيام... ذكرياتها لن تمحوها الأيام.

التعليقات