حيطان الانتفاضة والدولة الممحاة

سيّدة فلسطينيّة في مواجهة ضابط إسرائيليّ خلال الانتفاضة الأولى

 

على الحائط الغربيّ لسور المدرسة، أوقفنا جنديّ نزق، وصرخ بعربيّة مكسّرة لكنّها آمرة: "اِفْتَخْ إِيدَكْ"! أن تفتح يدك يعني أنّك وقعت في مصيدة «المشاة»، كما كنّا نسمّيهم، أو ما يُسَمّى «الجيش النفل» بلغة إحدى القرى؛ بمعنى الراجلة.

تقع في المصيدة لأنّك لتوّك انتهيت من لعبة عمادها الأساس التراب والحصى والحجارة، فما علق على بنطالك وقدميك المتّسختين ويديك يحوّلك إلى «مخرّب صغير» في عرف الدولة المارقة. تلمع ابتسامة بلهاء من فم الجنديّ الأخير، الّذي كنّا نسمّيه «جحش الفرقة»، يحمل كلّ عتاد إسرائيل العسكريّ على ظهره، أورثته هذه الدولة رأسها «الأمنيّ» وجبروت الأرض والسماء، لعلّه وجد في إيقافنا فرصة كي يستريح من هذا الحمل الزائد الّذي لا تراه إلّا هنا.

أنزل عن ظهره يقينه العسكريّ، وتوارى خلف السور، لعلّه نداء الطبيعة لجنديّ وجوده هنا يخالف كلّ نداءات الطبيعة وموازين الكون، عاد بعد قليل أكثر ارتياحًا وانكماشًا، وبدا أصغر حجمًا، كان منظره يغري بالتندّر لولا أنّ واقع الحال ‘ينشّف الريق‘، فحمله أكبر من جسده.

- بْتُضْرُبْ خْجارَة؟

- لا.

- كذّاب!

- وحياة أمّي، لا.

- لَوْ أُمَّكْ مْرَبّيتَكْ ما بِتْظَلّْ بِالشارِعْ...

 

صورة مأخوذة من فيلم تسجيليّ لقرية عابود، حول توثيق مشروع إعمار وادي الليمون عام 1988، كشكل من أشكال العمل التطوّعيّ الّذي يهدف إلى العودة إلى الأرض وتعزيز القيم الإنتاجيّة في السياق الوطنيّ التحرّريّ، وكان من أوائل الشعارات، بتوقيع من القيادة الموحّدة.

 

يا حبيبي! تحوّل الجنديّ إلى واعظ ومربٍّ، انفلتت ضحكة من طفل غير مسؤول، أمام ماكينة التربية الحديثة المدجّجة بأحدث أسلحة الوعظ في القرن الحادي والعشرين، جاء ردّ الضابط قويًّا وصارمًا، فرقع صوت يشبه الارتطام على رقبة الطفل.

طلب منّا أن ندير وجوهنا إلى الحائط، ونشبّك الأيدي خلف الرأس، "بلّشت الحفلة"، همست في أذن الطفل القريب منّي بخطوة واحدة، إنّها «حفلة الصلب» كما كنّا نسمّيها. أيّ طفل في فلسطين وشابّ ورجل وامرأة تعرّض إلى الصلب! "صلبونا الجيش..."، هكذا كانت تبدأ الحكاية.

لم أكن أدري وقتذاك أنّهم صلبوا المسيح، وأنّ الفلسطينيّ الأوّل صُلِبَ في الهواء، وأنّ الفلسطينيّ الأخير ملّ من فعل الصلب ودرب الآلام، فمن سوء حظّه أنّ الصليب سلّمه الأزليّ إلى الغد. كيف تناسل فينا هذا الناصريّ الّذي لا يموت؟ تقاسمنا خبزه وخمره ودمه، صار مجازنا وصرنا مجازه، حرّرناه من أسطورته وتلبّسناها بدلًا منه، وتقاسمنا موته وولادته.  

مع كلّ هذه التراجيديا كنّا ننتظر المخلّص، أرسل طرفي إلى طرف الشارع لعلّ السماء ترسل صنوف رحمتها في مواجهة صنوف العذاب، وما هي إلّا دقائق تأخذ طول الدهر، حتّى يظهر مخلّصنا ويسوعنا الأخير، أو ما يُسَمّى «قوّات التدخّل السريع»، بخطاب أخلاقيّ بسيط، وزند كلّه ثبات، وإصرار أمّ على ألّا يُصْلَبَ ابنها من جديد. ينقلب المشهد لصالحنا، مع كمّ هائل من الشتم والتدافع وفزعة نسوة الحيّ نصبح بأيديهنّ وحجورهنّ، ونفلت من أيدي الجنود، ونطلق أقدامنا للريح.

هكذا كانت تبدأ الحكاية وعشرات القصص، ثمّ تنتهي إلى نهايات عديدة ومفتوحة على غير ما بدأت، ما بين قتل أو اعتقال أو ضرب وتكسير عظام، وفي أحسن الأحوال إطلاق سراح مشروط، وهذا الشرط رهين بمزاج قائد المجموعة. أكثر ما كان يستفزّ فرق المشاة آنذاك، الكتابات الّتي على الجدران؛ لذلك كان شرطهم الأثير هو: "بِدَّكْ تْرَوِّحْ؟"، يجب عليك أن تمسح الحائط.

أنا أنتمي إلى جيل، ما زال يدمن قراءة الحيطان، تلك العادة المرتبطة بـ «الانتفاضة الأولى»، الّتي شكّلت بواكير الوعي، وبدايات تشكّل الذائقة، جزءًا من هذه الذائقة شكّلتها الحيطان

ما زلت أحتفظ في ذاكرتي بعشرات القصص، الّتي شاهدتها وسمعتها، مرتبطة بالكتابة على الحائط، كانت عمليّة الكتابة تحتاج إلى تخطيط وسرّيّة وتنظيم، كانت الكتابة بنت الليل، تخرج مجموعة من الملثّمين، ويوزّعون المهامّ، بين مَنْ يرصد الليل وخطوات الخفافيش، وبين مَنْ يلصق الصور والبيانات، وبين مَنْ يخطّ على الحائط شعارات الانتفاضة. كانت الكتابة آنذاك توازي فقدان الحياة، إمّا بالقتل وإمّا بالاعتقال بعيدًا عن رفاهيّة الاستعراض والفرجة.

الكتابة على الحيطان في الانتفاضة الأولى تصلح لأن تكون سرديّات وطبقات من الوعي شاهدة على الأزمنة الفلسطينيّة وتبدّلاتها. على تلك الحيطان حضرت الجغرافيا غير منقوصة، عبر خريطة فلسطين الحاضرة من بحرها إلى نهرها، في مواجهة سياسات الغياب، ورأينا فلسطين حاضرة برسمها، عندما كانت غائبة عن المناهج الّتي يقرّرها الحاكم العسكريّ ويلاحقها بممحاة الرقيب العسكريّ، وممحاة الرقيب تلك ترسٌ صغير في ماكينة المحو البشعة.

إسرائيل دولة على شكل ممحاة. أنا أنتمي إلى جيل، ما زال يدمن قراءة الحيطان، تلك العادة المرتبطة بـ «الانتفاضة الأولى»، الّتي شكّلت بواكير الوعي، وبدايات تشكّل الذائقة، جزءًا من هذه الذائقة شكّلتها الحيطان، وما زالت تقبع في تلابيب الروح وطبقات الذاكرة. جيل كامل حفظ فلسطين عن ظهر حائط، وتعلّم قراءة أبجديّة فلسطين بحروفها الستّة، وحفظ ألوان العلم ‘كُرْجَةَ ماء‘، عندما كانت رسمة علم على حائط ناءٍ في قرية نائية، تهزّ موثوقيّة دولة إسرائيل وبداهتها الوجوديّة.

في مواجهة سياسات الممحاة تلك، وفي مواجهة سياسات التلعثم العربيّ، بخطابه الرسميّ ومدمني اقتناص الفرص من صنّاع ‘الواقعيّة‘ الفلسطينيّة؛ واقعيّة، ليس بالإمكان أبدع ممّا كان، شكّلت الحيطان تلك خزّان الوعي والمقاومة.

 في حرب الحيطان تلك، أنطق الفلسطينيّ بلاغة الحائط؛ بلاغة تحمل شعارات الانتفاضة وبرنامجها اليوميّ، وختم فصائل العمل الوطنيّ، ما بين "لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة" أو "لنعمل من أجل الهدف الموحّد للانتفاضة"، وهو من الشعارات الّتي ما زالت تحافظ على وجودها حتّى الآن، رغم كلّ التغيّرات المناخيّة والمعماريّة، وحتّى مع كلّ تقلّبات المزاج السياسيّ الفلسطينيّ على مدار ثلاثة عقود من الزمن.

 

"العمل من أجل الهدف الرئيسيّ للانتفاضة" (من شعارات الانتفاضة الأولى)

 

تزاحمت على تلك الحيطان تواقيع وشعارات للفصائل المنضوية تحت إطار «منظّمة التحرير» أو القادمة من خارجها، وتنافست على مَنْ يملك الحائط كما كانت تتنافس على مقاعد المجلس الوطنيّ واللجنة التنفيذيّة لـ «منظّمة التحرير» آنذاك، وكما تتنافس الآن على مكتسبات «أوسلو» ووَهْم بناء الدولة.

تصلح تلك الحيطان أيضًا شاهدةً على ضياع الهدف في زحمة المحاصصة والتنافس، كثير من القصص يدور حول التنافس بين فصائل العمل الوطنيّ والإسلاميّ، وكثير من القصص ما زال يُرْوى أيضًا عن شبكات للمتعاونين مع الاحتلال، كانت تستغلّ الحيطان للتشويش على فعاليّات الانتفاضة ولضرب قيم التضامن؛ إذ استغلّ العملاء تلك الحيطان ليرسلوا إلى «الشاباك» عبر رسومات ورموز متّفق عليها، إشارات أمنيّة لملاحقة نشطاء الانتفاضة ومتابعتهم.

وُلِدَتْ على تلك الحائط عشرات الشعارات وحافظت على وجودها، ومئات أخرى مُسِحَتْ قبل أن تنجز وعدها وتحقّق آمالها، بعد أن طالتها فرشاة المحو من جديد. كانت تلك الحيطان عبارة عن  طبقة تعلوها طبقة من الطلاء بألوانها المختلفة، كان الفلسطينيّ يعيد الكتابة على الحيطان نفسها، الكثير من القصص ارتبط بملاحقة الحيطان تلك، كثير ممّن عايشوا الانتفاضة ارتبطت ذاكرتهم بالعقاب الجماعيّ، ومن ضمن سياسات العقاب الجماعيّ كان إخراج السكّان بغضّ النظر عن الفئات العمريّة، وكان يطلب منهم محو الكتابة، وذلك بعد الضرب الشديد والمبرّح. في قريتي أذكر أنّ معظم الشباب هربوا إلى الجبال بعد مواجهات دامية، فأخرج الجنود النساء الكبيرات في السنّ وطلبوا منهنّ محو الحيطان. "كنّا نِسْتَنّاهم تَيْروحوا وْنِرْجَعْ نُكْتُبْ كَمانْ مَرَّة"، تكاد تكون تلك المقولة رائجة في أيّام الانتفاضة.

اجترح الفلسطينيّ على الحيطان حياة كاملة من الكلمات والتراكيب والجمل والمواقف السياسيّة، وطبقات من الوعي والأحلام. ومن المفارقة الّتي تغري بالاندهاش لولا كثرة المفارقات في الشرط الفلسطينيّ، أنّه مع بدايات السلام الموعود، ودخولنا حمّى العقار والتوسّع المعماريّ، واتّساع الحيطان وتمدّدها، ضاقت تلك الحيطان، المفتوحة على الوهم والضيّقة على الحلم، ضاقت بتلك الشعارات وبأحلامها، كان حائط واحد يكفي لزرع آلاف الأمنيات في قلوبنا الصغيرة، أمّا اليوم، وفي زمن الفضيحة، تحوّلت قلوبنا إلى حيطان ملساء.

ضاقت بتلك الشعارات وبأحلامها، كان حائط واحد يكفي لزرع آلاف الأمنيات في قلوبنا الصغيرة، أمّا اليوم، وفي زمن الفضيحة، تحوّلت قلوبنا إلى حيطان ملساء.

تصلح تلك الحيطان لأن تكون جداريّة موازية للتاريخ الفلسطينيّ وأزمنته الموازية، تصلح لرصد الذاكرة، وما نجا منها يصلح لأن يكون شاهدًا على تطاول الوهم وتقزّم الحلم.

بعد تراجع أيّام الانتفاضة لصالح أيّام السلام، بدأت مرحلة جديدة للتعامل مع تلك الحيطان؛ إذ بدأت ترفع شعارات نحو تجميل القرى وتنظيف الحيطان، وبدأت فرق العمل التطوّعيّ تتشكّل لتنظيفها بالشيد والدهان الأبيض؛ أعمال تطوّعيّة لمسح الذاكرة! لأنّ الفلسطينيّ بذاكرته الجديدة يفتح صدره ليعبّ من وعود السلام، وينقضّ على شعارات أصبحت ترمز إلى أبجديّة بائدة لا تتّفق وأبجديّات السلام، ويؤسّس لذاكرة جديدة تصلح لأن تكون ذاكرة الهزيمة.

 


 

عديّ مجيد

 

 

 

كاتب فلسطينيّ، حاصل على البكالوريوس في التاريخ والآثار، والماجستير في الدراسات العربيّة المعاصرة من جامعة بيرزيت. يعمل مدرّسًا في رام الله.