من قبو دوستويفسكي إلى قبو العالم

 

هل كان يمكن دوستيوفسكي أن يتخيّل قبل مئة وستّين عامًا، حين كتب روايته الشهيرة «مذكّرات قبو»، أنّ العالم بأسره سوف يصبح قبوًا كبيرًا للبشر، وأنّ عالمًا موازيًا سوف يُخْلَق بطريقة غريبة، وأنّ البشر سوف يتناسخون ذواتهم، ويتنازلون عن الذات المؤسِّسة لصالح ذوات افتراضيّة يرسمونها على طريقتهم، وحسب مستوى وعيهم، وخيالاتهم، وأحلامهم، تلك الّتي أخفقوا طوال أعمارهم في تحقيقها؟

 

الإنسان الوجوديّ

ثمّة ما هو مشترك بين إنسان القبو، في القرن التاسع عشر، الّذي وصفته الرواية، وإنسان القرن الحادي والعشرين؛ إذ إنّ كليهما وجوديّ بامتياز، من حيث نظرة الوجوديّة إلى كون الإنسان كائنًا قلقًا، تائهًا، وأنّ هذا القلق مرتبط بالتفكير، وأنّ التفكير يضع الإنسان في دائرة لا نهاية لها سوى العبث، والموت، وأنّ الوجوديّة بحث دائب عن الهويّة، والكينونة، ومحاولات للشخص لا تتوقّف عن التعبير عن ذاته كائنًا مستقلًّا ضدّ الأيديولوجيّات الّتي تحاول احتواءه، من حيث هي قيمة وحيدة عليا، يجب التمثّل بها.

ثمّة ما هو مشترك بين إنسان القبو، في القرن التاسع عشر، الّذي وصفته الرواية، وإنسان القرن الحادي والعشرين؛ إذ إنّ كليهما وجوديّ بامتياز، من حيث نظرة الوجوديّة إلى كون الإنسان كائنًا قلقًا، تائهًا، وأنّ هذا القلق مرتبط بالتفكير...

وثمّة أيضًا ما هو مشترك بينهما أكثر من ذلك، فإن كان رجل القبو يراقب العالم طوعًا من قبوه الّذي حشر نفسه فيه طوال عشرين عامًا، ويحاكم هذا العالم من خلال ثقافته ووعيه، ومعرفته الّتي ترسّبت في أعماقه، فإنّ إنسان القرن الحادي والعشرين، أصبح حبيس هذا العالم – القبو - يراقب العوالم الموازية من خلف شاشة جهازه الإلكترونيّ الذكيّ، ويرسم لذّاته صورًا تبدو فاعلة في هذه العوالم، ويعيد ضبط هذه الصور، ومحاكمة العوالم من خلال هذا الضبط، ومن خلال ما يترسّب في وعيه من معرفة مشوّهة على الأغلب. كلاهما يبدو في ظاهر الأمر حرًّا في تفكيره، لكنّه ليس كذلك.

فإن كانت الوجوديّة أصلًا قد نادت بحرّيّة الإرادة البشريّة، وظهرت ردًّا على محاولات تقييد هذه الحرّيّة بمختلف الأفكار والسبل، وأنّها؛ أي الوجوديّة، قد تُعْتَبَر حلًّا مقبولًا لصراعات الأديان والأيديولوجيّات والصراعات العرقيّة والإثنيّة؛ لأنّ قوانين المجتمعات تعسّفيّة، فإنّها أيضًا قد اعترفت بعبثيّة الواقع، ومآلات الإنسان، وخياراته. وليس ثمّة أكثر عبثيّة من واقع يفرض على الإنسان – حلًّا لصراعه مع ذاته - أن يتحوّل إلى مجموعة من الصور الهلاميّة الّتي لا يمكن الإمساك بأصلها من حيث الانتماء، والهويّة، والأهداف العليا.

 

حشرة

ثمّة مَنْ ترجم العنوان على أنّه «الإنسان الصرصار» – أنيس زكي حسن - وهي ترجمة تدخل ضمن إطار الاجتهاد، وهو محقّ تمامًا في هذه الترجمة، حيث تعيش الصراصير حياتها تحت الأرض، والرجل الصرصار هو ذلك الرجل الّذي يقضي حياته تحت الأرض، محاولًا أن يجد معنى محدّدًا للحياة؛ لأنّه، أثناء حياته فوق الأرض، فقد الثقة بكلّ ما حوله، وتوصّل إلى فكرة العبث الأبديّ الملازم لحياة الإنسان.

لم يعد الإنسان بكينونته الذاتيّة يعني شيئًا أمام هذا العبث؛ فالإنسان الحشرة أو الصرصار لا يعني أحدًا، فخروجه أو عدمه، وذهابه إلى الطبيب أو عدمه، لا يشكّل شيئًا، ولا يضيف للحياة شيئًا، وبالمقابل لا يأخذ منها شيئًا، إنّه كائن زائد على الحياة، رغم مركزيّته فيها، ورغم أنّه أصل هذه الحياة، فكيف تحوّل الإنسان - الأصل - إلى كائن زائد على حاجة هذه الحياة؟

ثمّة، إذن، نوعان من البشر تقترحهما الرواية: الأوّل هو الّذي يأخذ الحياة كلّها مسلّمات، الإنسان العاديّ، والثاني هو ذلك الّذي أصبح عبدًا لوعيه، وهو الإنسان المثقّف، وقد نضيف إلى هذين النوعين من البشر، صنفًا ثالثًا، هو الإنسان الإله...

ثمّة، إذن، نوعان من البشر تقترحهما الرواية: الأوّل هو الّذي يأخذ الحياة كلّها مسلّمات، الإنسان العاديّ، والثاني هو ذلك الّذي أصبح عبدًا لوعيه، وهو الإنسان المثقّف، وقد نضيف إلى هذين النوعين من البشر، صنفًا ثالثًا، هو الإنسان الإله، إنسان نيتشه الأعلى الّذي انحرف عن مساراته، أو الإنسان الوسيط – حسب تعبير نيتشه - لكنّه نسخة متطوّرة أكثر نضجًا ممّا تخيّل نيتشه، إنّه ذلك الإنسان الّذي وضع نفسه مكان الإله في تقرير مسارات البشر، ومآلات حياتهم، بعيدًا عن إيمانه بوجود الإله الفعليّ أو عدم وجوده؛ إذ لم تعد تلك مسألة مقلقة، وقد أفرزته ظروف القرن العشرين، بما حملت من ثورات صناعيّة، وتكنولوجيّة؛ أي ظروف ما بعد دوستيوفسكي ونيتشه، وهو ذاته الإنسان الّذي يتحكّم في العوالم الموازية لإنسان القرن الحادي والعشرين.

"أريد أن أخبركم بالسبب الّذي جعلني لا أقوى على أن أكون حتّى حشرة ... إنّه الإفراط في امتلاك الوعي" (ص 12). والوعي هنا كما يصفه إنسان القبو هذا علّة مرضيّة، وهو "الجدار ذاته الّذي يصفه إنسان القبو، وهو عبارة عن سياج تحيط به نفسك، ولا يسمح لك أن تكون إنسانًا عاديًّا".

 

ماذا يعني أن تكون إنسانًا عاديًّا؟

في نظر رجل القبو، أنّ الإنسان لكي ينخرط في الفعل، عليه أن يكون مطمئنًّا غاية الاطمئنان؛ فالأغبياء هم أصحاب الفعل، لأنّهم ببساطة يأخذون بالعلل المباشرة الثانويّة ولا يفلسفون الأمور، باعتبار أنّ ثمّة عللًا رئيسيّة وثانويّة، فالثانويّ بالنسبة إليهم رئيسيّ، من هنا يقنعون أنفسهم بأنّهم عثروا على الركيزة الثابتة الراسخة الّتي يقوم عليها نشاطهم (ص 29).

إنّ البحث عن «الجميل والسامي» عند إيمانويل كانط هو قمّة العذاب، وقصر الكريستال، رغم أبّهته، واستعراض قدرات الإنسان الفذّة من خلاله، سيصبح سجنًا جميلًا إن كان هو نهاية سعي البشر؛ لأنّ الإنسان جُبِلَ على منطق العبث، والملل، والتعدّد في الرأي، واختلاف منطق الجمال، والذائقة، ولأنّ الحياة ببساطة ليست معادلة رياضيّة ثابتة، والإنسان لا يعمل وفق نظريّات عقليّة بحتة، بل إنّ الرغبة قد تشكّل المحرّك الرئيسيّ للبشر.

يذهب دوستيوفسكي إلى أبعد من ذلك حين يؤكّد أنّ الإنسان عاشق بالفطرة للألم، وأنّ الألم بالذات هو مصدر اللذّة، إنّه ذلك الكائن الّذي تتساوى لديه لذّة البناء مع لذّة الهدم، لذّة الحياة مع لذّة الموت؛ لذلك لا يمكن حياته أن تسير وفق معادلات رياضيّة محسوبة بدقّة؛ لأنّها، هذه المعادلات، ستعني بالضرورة قولبة الحياة بطريقة تجعلها تفقدها ماهيّتها، وهويّتها، والمعنى الّذي وُجِدَت من أجله.

لقد حاول دوستيوفسكي أن يتصدّى للأفكار الاشتراكيّة، الّتي كان مثقّفو روسيا ينادون بها، وعدّها مجموعة من النظريّات المقولبة، الّتي لا يمكن الطبيعة البشريّة أن تخضع لها؛ لأنّ أصل هذه الطبيعة هو الملل، وأنّ تحقيق الهدف يعني نهاية الإنسان...

لقد حاول دوستيوفسكي أن يتصدّى للأفكار الاشتراكيّة، الّتي كان مثقّفو روسيا ينادون بها، وعدّها مجموعة من النظريّات المقولبة، الّتي لا يمكن الطبيعة البشريّة أن تخضع لها؛ لأنّ أصل هذه الطبيعة هو الملل، وأنّ تحقيق الهدف يعني نهاية الإنسان، وأنّ الرغبة تغلب العقل، والإرادة، وأنّ الحضارة لا توقف سيل الدماء البشريّة، بل تجعل تعطّش الإنسان للدم أكثر "مكرًا ومخاتلة وجبنًا" على حدّ تعبير الكاتب.

"ما يحتاج إليه الإنسان هو إرادة مستقلّة، مهما كلّف ذلك الاستقلال من ثمن، ومهما نتج عنه من عواقب" (ص 44).

 

العبوديّة

إنّها حالة من الاستعباد، وأعني هنا استعباد الخيارات، ومصادرة الحرّيّة، وتحديد الخطوط الدقيقة، وبالتالي مصادرة الوعي؛ ليظهر الإنسان حرًّا في خياراته، لكنّ تلك الخيارات أصلًا محدّدة، لا يمكن القفز من فوقها، وسيبدو الأمر أشبه بالحرّيّة في ظلّ القانون، لكنّه قانون يبدو في ظاهره ناتجًا عن الذات، وهو ليس كذلك.

ثمّة إنسان إله، هو الّذي يحدّد ماهيّة هذه القوانين، ويجعلها جزءًا من اليوميّ العاديّ الصادر عن وعي محتلّ أصلًا، لا ينتج مهما علا سقفه إلّا سلوكًا تحت سقف هذه القوانين.

بهذا المعنى، يصبح إنسان القرن التاسع عشر مستعبدًا لصيغة القانون الّذي يبدو في ظاهره قانون الجمال، والكمال، قانون قصر الكرستال الّذي ينادي به المثقّف، دون أن يعي أنّ الجنّة مهما علا شأنها، تضيق على الإنسان.

بهذا المعنى، يصبح إنسان القرن التاسع عشر مستعبدًا لصيغة القانون الّذي يبدو في ظاهره قانون الجمال، والكمال، قانون قصر الكرستال الّذي ينادي به المثقّف، دون أن يعي أنّ الجنّة مهما علا شأنها، تضيق على الإنسان...

وبهذا المعنى أيضًا، يصبح إنسان القرن الحادي والعشرين مستعبدًا لصيغة الوعي المؤطّر، ضمن معطيات أكثر حرّيّة واتّساعًا، لكنّها في محصّلة الأمر، من تدبير الإنسان الإله، تحمل رسالته، وتعيد إنتاج الوعي بما يخدم مصالحه، وصولًا إلى جعل هذا الإنسان ينسى تمامًا معنى الحرّيّة، ويدافع بشراسة عن عبوديّته.

كيف يمكن، إذن، الإنسان أن يخوض حرب الحرّيّة، دون أن يعي معنى الحرّيّة بالضبط؟ وملامحها، وقوانينها، وأبعادها؟   

سيبدو الأمر بالضرورة متشابهًا، ما بين رجل القبو، وإنسان القرن الحادي والعشرين، وسيعيدنا إلى المربّع الأوّل، كلاهما خارج دائرة الفعل، وكلاهما يراقب حالة الفعل - عاجزًا - من قبوه، ذاك تحت الأرض، يحاكم العالم غيابيًّا، مستعينًا بكلّ ما ترسّب في وعيه من معرفة، وهذا يحوّل فعله من دائرة الفعل إلى دائرة التفاعل النبيل - كما يبدو في الظاهر - سقفًا أعلى للحرّيّة، وطريقة مثلى للتغيير، متنازلًا عن دوره في صناعة الحياة، لأُولئك الّذين أخذوا على عاتقهم صياغة مساراتها له من أجل تدشين عصر جديد.

 

 


أحمد أبو سليم

 

 

شاعر وروائيّ فلسطينيّ يقيم في الأردنّ. من أعماله "دمٌ غريب" (شعر)، و"ألبوم على بقايا سدوم" (شعر)، و"آنستُ دارًا" (شعر)، و"الكنعانيّ" (دراسة توثيقيّة مشتركة مع صلاح أبو لاوي ونضال القاسم).

 

 

 

تعليقات Facebook