هستيريا جماعيّة: انفجار نظريّة العرق في وجه أصحابها

الاعتداء الدمويّ على مواطن فلسطينيّ في «بات يام»

 

ما يحدث اليوم في فلسطين تجسيد للادّعاء القائل بأنّ للاحتلال ثمنًا أخلاقيًّا باهظًا جدًّا، وأنّه لا يمكن أن تضع شعبًا كاملًا تحت الاحتلال والتهديد بالتهجير بدون أن تَصْحَب هذا عقليّة مرضيّة قبيحة تنعكس داخليًّا.

هذه العقليّة المرضيّة نراها اليوم جليًّا في الشوارع وفي الإعلام الإسرائيليّ؛ هستيريا جماعيّة (Mass Hysteria)، حيث تفقد مجموعة ضخمة من البشر الاتّصال مع الواقع، وتعيش وفق منطق اللامنطق الخاصّ بها.

 

انتحار أخلاقيّ

مجموعات جاهليّة لا تعرف تاريخها هي نفسها، ولو عرفته لماتت خجلًا من درجة التشابه الغريبة بين أفعالها اليوم، وما واجهه أجدادها في ألمانيا النازيّة خلال «ليالي البلّور» (Kristallnacht). مشهد محاولة إعدام العربيّ في «بات يام» بين أكثر من مئة شخص يهوديّ فقط لكونه عربيًّا، مشهد يثير الغثيان (وهو واحد من مئات الاعتداءات الموثّقة وغير الموثّقة)، لكن ما يثير الغثيان أكثر عدم ربط هذا المشهد بالاحتلال، وما يترتّب عليه من ضرورات لاإنسانيّة، مثل تعطيل حسّ التعاطف الإنسانيّ البسيط لمعاناة الآخر، أو تأجيج المخطّط الذهنيّ (Schema) لصورة «العدوّ»، المعطّلة لإدراك بشريّته (Dehumanizination)، أي تجريده من الصفات الإنسانيّة.

تأمّل هذه العمليّات الإجراميّة من قِبَل الإنسان الطبيعيّ في القرن الـ 21 يثير الغضب والاشمئزاز، ومن منظور الفرد الإسرائيليّ البسيط، الاعتراف بكلّ هذا هو انتحار أخلاقيّ...

هذه التشوّهات النفسيّة والإدراكيّة تحصيل حاصل لفعل الاحتلال، الّذي يُحَتِّم تعريف مجموعة بشريّة كاملة على أنّها أقلّ قيمةً من مجموعة أخرى (الإسرائيليّة أو اليهوديّة في هذه الحالة). لا يمكن تبرير هذا الأمر أخلاقيًّا ولا إنسانيًّا، بل فقط عن طريق الكذب والخداع وغسيل الأدمغة الّذي يُمارَس على مجموعات قابلة للتطرّف والدوغماتيّة، أي ربط الغيبيّات بالسياسة والعلاقات البشريّة.

تأمّل هذه العمليّات الإجراميّة من قِبَل الإنسان الطبيعيّ في القرن الـ 21 يثير الغضب والاشمئزاز، ومن منظور الفرد الإسرائيليّ البسيط، الاعتراف بكلّ هذا هو انتحار أخلاقيّ، وقلّة قليلة جدًّا تستطيع مواجهته وتحمّله؛ ولذلك في نهاية المطاف لن يكون ثمّة مفرّ من تفعيل البديل الفلسفيّ الوحيد المتبقّي، وهو «نظريّة العِرق» (أي عِرق أسمى وعِرق أدنى)، الّتي لطالما كانت تختبئ وراء غطاء الإنكار والتجاهل ذاك.

 

الصورة القبيحة

منذ سنين عديدة يتظاهر الشارع الإسرائيليّ بأنّ جوهر الصراع يكمن في السياسة الداخليّة وقضايا الفساد الإداريّ والجنائيّ لقادته، هذا التظاهر وصل به إلى درجة متطرّفة من تحييد كلّ حديث عن الاحتلال، والاستيطان، والكوارث الإنسانيّة الّتي تقوم بها الجماعة اليهوديّة يوميًّا بحقّ الجماعة الفلسطينيّة. ولكن «الشمس ما بتتغطّى بغربال»، ولا يمكن إخفاء الحقيقة، وخاصّة في عصر الكاميرات والهواتف الذكيّة؛ ففي النهاية ها هي كلّ محاولات التجميل أو التجاهل تفشل فشلًا ذريعًا؛ فشلٌ صاحَب تبعات وخيمة وليس فقط بحقّنا نحن الفلسطينيّين، بل أيضًا للمجتمع الإسرائيليّ الّذي يُجْبَر اليوم لأن ينظر في المِرآة ليرى صورته القبيحة جدًّا ويتفاجأ، أو لا يتفاجأ، لا أستبعد!

لكن ما هو مثير للاهتمام، ولا سيّما خلال الأحداث الراهنة، أنّ هستيريا هذه المجموعات، انعكس بشكل غير مباشر وغير متوقّع داخليًّا أيضًا، أي داخل المدن ذات الغالبيّة الإسرائيليّة...

هذه الصورة الّتي تظهر على شاكلة أطفال وشباب يهود صغار ينتظمون بعصابات دمويّة فاشيّة، تُلْحِق الضرر المادّيّ والمعنويّ بالمواطنين الفلسطينيّين، لكنّها تُلْحِق ضررًا أيضًا بالمجتمع الإسرائيليّ نفسه، يمكن تلخيصه بنقطتين: الأولى هي شلّ حركة الدولة، وتعطيل الحيّز العامّ الّذي يسبّب المساءلة والمراجعة من قِبَل الإسرائيليّين، والثانية هي تخريب صورة المظلوم الإسرائيليّ، محلّيًّا وعالميًّا، وتبديل مشهد الشابّ اليهوديّ المتطرّف الدمويّ الّذي يضرب جثّة العربيّ البريء بها، بعد محاولة الإعدام الميدانيّ الجماعيّ في مدينة «بات يام»، وغيرها.

 

صفقة مع الشيطان

فضلًا على ذلك، وفوق الإعاقات النفسيّة والإدراكيّة الناجمة عن الاحتلال، ثمّة ما هو أكثر قُبْحًا، ألا وهو الحضيض الأخلاقيّ الّذي يَلْزَم أن يتوفّر لدى إنسان ما حتّى يُهَجِّر إنسانًا آخر، أن يسرق بيته أو أرضه ليستوطن بها. لتطبيق مثل هذا الفعل يجب أن تكون بلا قلب ولا ضمير حيّ أو أشلاء منه؛ لذلك، لا يمكن تطبيق سياسات الاستيطان إلّا بمساعدة جهاز رأي عامّ (بروبوغاندا) مُسِمّ وشرس، لا يعطي أيّ اعتبار لحقوق الإنسان، أو حتّى التعاطف الإنسانيّ البدائيّ البسيط.

العَمى الأخلاقيّ والعاطفيّ الّذي تراكَم في النفسيّات الصهيونيّة الاستيطانيّة، عبر عقود كثيرة، أدّى إلى خلق هذه المجموعات الإجراميّة الّتي نراها اليوم. هذه المجموعات تُغَذّي نفسها بنفسها، وما عادت بحاجة إلى حماية الجيش والرأي العامّ الإسرائيليّ، فقد تمّت تغذيتها ورعايتها بما فيه الكفاية، لتصبح مستقلّة، تفعل ما تشاء بحسب نظريّاتها المريضة.

العَمى الأخلاقيّ والعاطفيّ الّذي تراكَم في النفسيّات الصهيونيّة الاستيطانيّة، عبر عقود كثيرة، أدّى إلى خلق هذه المجموعات الإجراميّة الّتي نراها اليوم. هذه المجموعات تُغَذّي نفسها بنفسها...

لكن ما هو مثير للاهتمام، ولا سيّما خلال الأحداث الراهنة، أنّ هستيريا هذه المجموعات، انعكس بشكل غير مباشر وغير متوقّع داخليًّا أيضًا، أي داخل المدن ذات الغالبيّة الإسرائيليّة، مثل تل أبيب ويافا وحيفا وعكّا والقدس وغيرها؛ فمثلما استوطنت قطعان العنصريّين في الضفّة الغربيّة، فتراها استوطنت وتوغّلت في هذه المدن، ووَثبَت فيها مثل القنابل الموقوتة الّتي تنتظر اللحظة الملائمة لتفجير دمويّتها. يبدو الآن أنّ للاستيطان ثمنًا آخر غير متوقّع، وهو كثمن «الصفقة مع الشيطان»، الأرض مقابل الروح.

«نظريّة العرق» بأقبَح أشكالها تتفجّر داخليًّا في وجه مَنْ ظَنّ أن لا ثمن للاحتلال، وأنّه بالإمكان أن تعيش سعيدًا مُنْكِرًا للواقع في «كفار سابا» مثلًا، في حين أنّك في الواقع قابل ومموّل عن طريق ضرائبك للقمع القبيح البعيد عنك بضعة كيلومترات في قلقيلية.

 

 

 جاد قعدان

 

 

باحث ومدرّب وناشط. متخصّص في علوم الدماغ (بيولوجيا وعلم نفس)، وعلم النفس الإدراكيّ اللسانيّ. يدرس حاليًّا ضمن برنامج الدكتوراه في الدراسات الإدراكيّة اللسانيّة، في "جامعة تل أبيب". معلّم بسيخومتري منذ 2007، ومدرّب للدبكة التراثيّة الفلسطينيّة.