ما بين العقاب والعنف في الأسرة والعلاقة بينهما

كثيرون من الأهل يلجؤون ويكررون كلمة عقاب للولد، ما أن يخطئ الولد بتصرفه بالنسبة لتقييم الأهل، يسارعون حالا لعقابه بشتى الطرق، وفي معظمها مؤلمة وعنيفة، ولكن في أغلب الأحيان دون فائدة، فالولد يعود للتصرف السلبي مرة تلو الأخرى، والأهل يزدادون عقابا وعنفا لهم ، وكأنها دائرة مغلقة لا يدركون كيف الخروج منها، وفي النهاية يقول الأهل بخيبة أمل، "فقدنا السيطرة عليهم".

عن تداعيات العقاب، كيفية تنفيذه وعواقب العنف والعقاب الغير صحيح تحدثنا مع بروفيسور مروان دويري- أخصائي علم النفس الطبي، العلاجي والتربوي، ونقدم الحديث معه بفيلم مصور، فقال:

"إن طبيعة العلاقة بين الأهل والأولاد هي لقاء بين عالمين مختلفين:

الأهل يحبون أولادهم، ولكنهم يريدون توجيه ضبط تطورهم وسلوكهم، ودورهم يكون:

  1. حب الأولاد.
  2. وضع قوانين وضوابط وأنظمة لهم.

الأولاد هدفهم في الحياة تحقيق رغباتهم، لا يدركون الحياة ومحدودياتها، وهدفهم السير حسب هذه الغرائز وليس طاعة الأهل.

العلاقة بينهما هي علاقة صدامية وليست علاقة اتفاق.

عندما ندرك هذه العلاقة يسهل على الأهل تفهم الأولاد.

ما هي الرغبات؟

الرغبات هي كالنهر الجاري، لا يمكن منعها، ولدى الأولاد رغبات متعددة:

  • نفسية
  • بيولوجية
  • اجتماعية
  • كل طفل يحتاج لأن يُحَب
  • حب الاستطلاع
  • التقدير وأن تكون له مكانة..

الاولاد يندفعون لتحقيق هذه الرغبات، لانهم صغار السن ولا يدركون قوانين الحياة، يندفعون لتحقيق الرغبات بشكل غير سليم وغير مرضي للأهل، فيتبعون أساليب خاطئة وسلبية من أجل تحقيق الرغبات، كالعنف، لفت النظر بشكل سلبي وكل الاولاد يتبعونها لتحقيق رغباتهم.

يجب على الأهل التمييز بين الرغبة وبين شكل تحقيق الرغبة.

الرغبات يجب ان تُفهم من قِبَل الأهل، لماذا الولد يتصرف بشكل عنيف وغير مرضي للأهل؟، هو هدفه تحقيق الرغبة وعلى الأهل إدراك أن وراء التصرف السلبي يوجد هدف تحقيق لهذه الرغبة.

ماذا يفعل الأهل حيال تصرف خاطئ للولد من أجل تحقيق الرغبة؟:

في مجتمعنا العربي، يلجأ الأهل للشكل السلطوي العنيف، وذلك بعقاب الطفل بهدف الردع وذلك بإيلامه، وهذه طريقة سيئة وسلبية لا تعلم الطفل، وتؤدي للولد بأن:

  • يخاف
  • ينكسر
  • صراعات نفسية
  • يكبت نفسه
  • يلتف وراء السلطة ويفعل أشياء من وراء الظهر
  • يتمرد

العنف الجسدي من الأهل يؤدي إلى العنف لدى الأولاد أيضا، لأن الأهل هم نموذج للأولاد وينقلون العنف بشكل مباشر أو غير مباشر، والعنف يؤدي لإحباط الطفل فيلجأ لاستعمال العنف، لأصدقائه أو لألعابه مثلا أو لإخوته، لأنه تعلم من أهله أنهم حين يُحبطون يلجؤون للعنف، فالعنف لا يُعالج بالعنف.

السؤال المطروح، ماذا يمكن أن يفعل الأهل في مثل هذه الحالة؟:

عندما يريد الأهل من الأولاد أي شيء او فعل أو طلب معين، يجب أن يقولوا لهم ذلك لفظيا، ولكن إذا تكرر الطلب عدة مرات من الأهل للأولاد يصبح بدون نتيجة، لذلك الحديث والطلب يجب أن يُرفق بتطبيق:

مثال: "نطلب من ولد ان يحل وظائفه وهو يجلس أمام التلفزيون، ونكرر والولد لا يرد، لذلك يجب بعد أول طلب إذا لم يرد وينفذ طلبي يجب أن أطفئ التلفزيون".

الجملة تأخذ تأثيرا حين يتبعها تنفيذ، حينها يكون "الولد متنبئ أنه بعد طلبي له ماذا سيحصل"، لذلك يجب أن يتبع الطلب والكلام إجراء معين.

ما هي الإجراءات التي يمكن اتباعها، وليست عقابية؟

أولا- يجب تفهم ماذا يريد الولد، الإصغاء جيدا له ولرغباته، وإذا واجهته مشكلة معينة، تفُّهم سببها، لأن ما نراه من مشكلة هي فقط "قمة الجبل الجليدي"، وما تحته نجهله، ويجب ان نصغي للولد كي نفهم تصرفاته ونسمعه ولا نحكم على تصرفاته من غير فهمها.

  • بعد الإصغاء ممكن أن نصل معا لاتفاقات بيننا، ونحن حينها نستطيع أن نقول له عن توقعاتنا منه، ما هو مسموح وغير مسموح أي بناء توقعات بيننا.

اتفاق (تلعب اذا درست)،( في حال لم يدرس لا يلعب) تنفيذ الاتفاق

لذلك يجب ان يكون الاتفاق بيننا مشروطا بتنفيذ الاتفاق

واجبات أمام حقوق.

* وهذه القاعدة يجب أن تكون مفهومة مسبقا بعد حوار بيننا.

* عدم تنفيذ الأهل للاتفاق يؤدي للولد أن يتعلم، واي إجراء الولد يعرفه سلفا حسب اتفاق بيننا، الولد يتعلم منه.

* القاعدة: حوار- اتفاق- تنفيذ الاتفاق- الولد يتعلم من التجربة.

* أي إجراء يأتي من إحباط وغضب عند الاهل، الولد لا يتعلم منه بل انعكاساته سلبية عليه ويتضرر نفسيا.

* الكلمات يجب أن يرافقها إجراء، والإجراءات يرافقها اتفاقات مشروطة.

أنواع العنف متعددة تشخيصاتها وعلاجها متنوعة أيضا، ويجب أن يكون لكل نوع عنف علاج مناسب للحالة ويجب عدم الخلط فيما بينها.

بالنسبة للعنف في البيت، يوجد للأهل مسؤولية لذلك:

  1. يجب ان لا يمارسوا العنف بأنفسهم كالضرب أو الصراخ وما شابه.
  2. إذا وجدت حالات عنف أمام الأولاد، تلفزيون مثلا، يجب على الأهل أخذ دورهم أمام مشاهد العنف، وذلك من خلال توعيتهم ومحاورتهم بهدف مساعدتهم لأخذ موقف من هذا العنف، ولكي يطوروا أدوات بديلة للعنف والإحباطات، من أجل حل أزمات بالحوار كي يستطيعوا التعايش مع الآخرين الذين يعيشون معهم".
بروفيسور مروان دويري

 

 

أخصائي في علم النفس العلاجي والطبي والتربوي