بعد 22 عاما.. "سفاح البوسنة" يلقى عقابه بالسجن مدى الحياة

بعد 22 عاما.. "سفاح البوسنة" يلقى عقابه بالسجن مدى الحياة
(أ.ف.ب)

عبّر ضحايا في البوسنة فقدوا أحباءهم في مذبحة سربرنيتشا عام 1995 عن سعادتهم بأن "العدالة قد تحققت بإدانة ملاديتش حتى ولو بعد 22 عاما من الحرب"، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى إنه "ليس هناك عقاب كاف للقائد السابق بجيش صرب البوسنة إبان الحرب، راتكو ملاديتش، الذي حكم عليه، اليوم الأربعاء، بالسجن مدى الحياة لإدانته بارتكاب إبادة جماعية.

ولا يزال ملاديتش (74 عاما)، رغم مرور أكثر من 22 عاما على الحرب التي أوقعت أكثر من مئة ألف قتيل، وتسببت بتشريد 2,2 مليون شخص، لا يزال يثير انقساما في البوسنة بين الذين يعتبرونه "بطلا" والذين يرون فيه "جزارا".

وكانت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي قد حكمت بالسجن المؤبد على الزعيم العسكري السابق لصرب البوسنة، الملقب "سفاح البوسنة"، راتكو ملاديتش، اليوم الأربعاء، بعد إدانته بعشر اتهامات بارتكاب جرائم إبادة وجرائم حرب وضد الإنسانية خلال حرب البلقان في التسعينيات من القرن الماضي، من بينها حصار سراييفو الذي أودى بحياة أكثر من 10 آلاف مدني جراء القصف والقنص وطرد مئات الآلاف من غير الصرب أثناء الصراع الذي استمر بين 1992 و1995.

وأعلن القاضي، ألفونس أوريه: "تحكم المحكمة على راتكو ملاديتش بالسجن المؤبد لارتكابه هذه الجرائم"، مضيفا أن "الجرائم التي ارتكبت تصنف بين الأسوأ في البشرية"، ومعتبرا أن الظروف المخففة التي أشار إليها الدفاع من بينها تراجع القدرة العقلية للمتهم "لا وزن لها" في الحكم.

ملاديتش يصرخ في وجه القضاة بأنهم كاذبون

وقبل لحظات على إدانته، أخرج ملاديتش من القاعة بعد أن نهض وراح يصرخ في وجه القضاة بأنهم يكذبون. وكان القاضي رفض قبلها طلبا من الدفاع بتعليق الجلسة بسبب ارتفاع ضغط الدم لدى المتهم.

وعند وصوله إلى قاعة المحكمة رفع ملاديتش، الذي ارتدى بدلة قاتمة وربطة عنق حمراء قانية، إبهامه مبتسما للمصورين. ورفض بعدها الوقوف عند دخول القضاة وحيا أسرته وخصوصا نجله، داركو ملاديتش.

ورفض القاضي طلبا تقدم به الدفاع لتعليق الجلسة بسبب الضغط المرتفع للمتهم. وصاح ملاديتش "إنهم يكذبون أنتم تكذبون. لست بخير". وتم اصطحابه بعدها إلى غرفة ملاصقة استمع فيها لصدور الحكم.

ترحيب دولي يإدانة ملاديتش

وتوالت ردود الفعل الدولية المرحبة بإدانة ملاديتش، ووصفت الأمم المتحدة إدانة الزعيم العسكري السابق بأنه "الانتصار الهام للعدالة".

و دعت الولايات المتحدة "دول وشعوب البلقان" إلى العمل معا من أجل "بناء مستقبل أفضل".

وحض زعيم المسلمين في البوسنة، بكر عزت بيغوفيتش، على "قبول الحقيقة" قائلا: "أن تقبل الحقيقة هو الطريق والسبيل الوحيد لكي يكون المستقبل في هذا البلد أفضل من الماضي".

واعتبر المفوض الأعلى لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، زيد رعد الحسين، أن الإدانة "انتصارا مهما للعدالة"، مؤكدا أن ملاديتش "تجسيدا للشر". وأضاف في بيان أن "الحكم إنذار لمرتكبي مثل هذه الجرائم بأنهم لن يفلتوا من العدالة أيا كان نفوذهم ومهما طال الزمن. سيحاسبون جميعا".

من جهته، دعا الاتحاد الأوروبي دول البلقان إلى "تكريم ذكرى ضحايا" جرائم الحرب بالعمل على المصالحة. وأشار إلى أن الحكم استرجع "بعضا من الأحداث الأكثر ظلامية ومأساوية" في تاريخ أوروبا الحديث وضمنها مجزرة سريبرنيتسا البوسنية في 1995.

ردود فعل ذوي الضحايا

تساءلت فاسفا إسماعيلوفيتش (74 عاما) التي فقدت عائلتها "هل هناك أي عقاب مناسب لشخص ارتكب كل هذه الجرائم؟"

وكان زوجها وزوج ابنتها وأقارب آخرون بين 8000 رجل وصبي مسلم نقلوا بعيدا وتم إعدامهم بالرصاص بعد أن طمأن ملاديتش قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والسكان المحليين بأنه لن يمسهم أذى بعد أن حاصرت قواته البلدة.

وقالت إسماعيلوفيتش، والدموع في عينيها بينما كانت تشاهد بثا تلفزيونيا لمحاكمة ملاديتش، "أحاول أن أحصي أمواتي طوال الوقت. أعد حتى 50 وعندها أفقد القدرة على العد".

وأضافت : "لا توجد كلمات تصف شعوري. أنا غاضبة. كل هذا جاء متأخرا".

لكن في المقابل ترى زوجة شقيقها أن العدالة تحققت بإدانة ملاديتش حتى ولو بعد 22 عاما من الحرب.

وقالت بيدا إسماعيلوفيتش التي كانت آخر مرة ترى فيها زوجها عندما حاول مغادرة سربرنيتشا عبر الغابات في تموز/يوليو 1995 : "لا شيء يعوضنا عن الألم لكن من المهم أن تتحقق العدالة". وعثر على رفات زوجها لاحقا في مقبرة جماعية.

وفي 11 تموز/يوليو 1995 فصلت قوات ملاديتش الرجال والصبية عن النساء وأخذتهم بعيدا في حافلات أو سيرا على الأقدام لتقتلهم رميا بالرصاص خلال أيام.

وقالت زدرافكا جفوزديار التي مات طفلها إيلدن ابن التسعة أعوام في قصف صرب البوسنة لسراييفو المحاصرة إن "الحكم ليس مفاجئا واعتبرته مرضيا إلى حد ما". وأضافت: "استحق عقابا أقسى، لكني فرحة ومرتاحة للحكم عليه بالسجن مدى الحياة لأن هذه أقصى عقوبة ممكنة. ليس هناك عزاء لي أو لأي أم أخرى لكننا تعلمنا التعايش مع الألم".

وكان هذا أسوأ عمل وحشي تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وفي دولة صربيا المجاورة التي قام رئيسها القومي في التسعينات، سلوبودان ميلوسيفيتش، بتسليح وتمويل قوات ملاديتش، دعا الساسة إلى الهدوء وحثوا الجميع على التطلع إلى المستقبل في وقت تأمل فيه بلجراد الديمقراطية حاليا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وقالت رئيسة وزراء صربيا، آنا برنابيتش، "قلوبنا مع الضحايا، الضحايا من الجانبين. أكن مشاعر صادقة تجاه كل الضحايا لكن دعونا ننظر للأمام والمستقبل".