انتخابات الإعادة في إسطنبول: حسابات الربح والخسارة

انتخابات الإعادة في إسطنبول: حسابات الربح والخسارة

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

مقدمة

أعلنت اللجنة العليا للانتخابات في تركيا النتائج النهائية لانتخابات رئاسة بلدية إسطنبول المعادة التي أجريت في 23 حزيران/ يونيو 2019، بعد إلغاء نتيجة انتخابات 31 آذار/ مارس 2019، إثر اعتراضات قدّمها حزب العدالة والتنمية. وقد أعيدت الانتخابات بعد حملة قوية استمرت قرابة 85 يومًا تنافس فيها أقوى المرشحين حظًا وهما: بن علي يلدرم، مرشح تحالف الشعب (الذي يضم حزب العدالة والتنمية والحركة القومية)، وأكرم إمام أوغلو، مرشح تحالف الأمة (الذي يضم حزب الشعب الجمهوري والحزب الجيد)، علمًا أن 17 مرشحًا مستقلًا شاركوا أيضًا في الانتخابات. ويوضح الجدول التالي النتائج.

نتائج المرشحين لرئاسة بلدية إسطنبول في انتخابات الإعادة

المصدر: من إعداد وحدة الدراسات السياسية.

مفاجأة الانتخابات

لم يمثّل فوز مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو مرة أخرى مفاجأة في حد ذاته، فقد توقّعته غالبية استطلاعات الرأي للأسباب والعوامل التي أسهمت في فوزه في المرة الأولى. ولكن المفاجئ أنه رغم ثبات نسبة المشاركة في المرتين (نحو 84 في المئة)، فإن الفارق في الأصوات زاد لمصلحة إمام أوغلو؛ إذ ارتفع عدد أصوات مؤيديه من انتخابات 31 آذار/ مارس بنحو 550 ألف صوت، بينما خسر منافسه بن علي يلدرم (رغم الحملة المكثفة والمكلفة ومحاولة تصحيح عدد من الأخطاء السابقة) 250 ألف صوت مقارنة بانتخابات 31 آذار/ مارس، وقد مثّل هذا الأمر صدمة لمؤيدي حزب العدالة والتنمية.

عندما طعن حزب العدالة والتنمية في نتيجة انتخابات إسطنبول الماضية، كان يسعى إلى إعادة فرز الأصوات في كامل مقاطعات إسطنبول. ورفض حزب الشعب الجمهوري ذلك، فاضطر حزب العدالة والتنمية إلى التوجه بطعون لإعادة الانتخابات كاملة. وكانت تقديراته أن جهدًا إضافيًا واستدراكًا لبعض الأخطاء وتركيزًا على أخطاء إمام أوغلو يمكن جميعها أن يجسر الفارق البسيط في انتخابات 31 آذار/ مارس، الذي كان قرابة 13 ألف صوت فقط. وقد تجاهلت قيادة حزب العدالة والتنمية نصائح بعدم السعي إلى إعادة الانتخابات. فهذه النصائح تستند إلى سببين: الأول، المحافظة على نقاء صورة العملية الديمقراطية وترسيخ مكانة تركيا في نادي الدول الديمقراطية. والثاني، جعْل فوز إمام أوغلو محاطًا بشبهة التحايل والتزوير وبفارق لا يكاد يذكر. لكن أهمية بلدية إسطنبول التي تفتح طريقًا لكل من يفوز بها إلى الحكم، وعدم قدرة قيادة العدالة والتنمية على استيعاب فكرة خسارتها، دفعَا نحو المجازفة والوصول إلى الخسارة الكبرى التي لحقت بالحزب.

لماذا فشلت إستراتيجية العدالة والتنمية في استعادة إسطنبول؟

بعد أن قررت اللجنة العليا للانتخابات إعادة الانتخابات في إسطنبول، انطلقت الماكينة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية لاستدراك الأخطاء التي وقعت في الحملة السابقة والتي أدت إلى خسارته إسطنبول، ومنها:

تجنب المبالغة والتهويل بشأن تأثير نتائج الانتخابات في مستقبل تركيا ووجودها، وقد لقي هذا الأمر استهجانًا واسعًا من فئات المجتمع والقوى السياسية والحزبية في الانتخابات الماضية، باعتبار أن ما يجري ليس إلا انتخابات بلدية، وأن التهويل يهدف إلى تخويف الناخب ومنعه من التعبير عن إرادته الحرة في اختيار ممثليه للبلديات. وكان تراجع حزب العدالة والتنمية عن هذا الخطاب في انتخابات الإعادة إقرارًا ضمنيًا منه بخطأ استخدامه سابقًا. والواقع أن هذا الخطاب برز بضغط من حزب الحركة القومية في الانتخابات السابقة، الذي كان يدفع باتجاه إضعاف التمثيل الكردي في البرلمان، ولذلك عندما تراجع حزب العدالة والتنمية عن هذا الخطاب في انتخابات الإعادة خسر جزءًا مهمًا من القاعدة الانتخابية القومية التي صوّتت له في المرة الماضية. وقد ثبت أكثر من مرة أن التحالف مع القوميين الأتراك الذي كان مفيدًا في مرحلة تغيير الدستور إلى النظام الرئاسي أصبح يلحق ضررًا بشعبية العدالة والتنمية.

حرمان مرشح المعارضة من الصوت الكردي: بناء على تقدير حزب العدالة والتنمية، فإن 4 في المئة من الأصوات التي حصدها إمام أوغلو في 31 آذار/ مارس جاءت من قاعدة حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، وبناء عليه، حاول حزب العدالة والتنمية نقل الصوت الكردي من مرشح المعارضة إلى مرشحه، عبر تكثيف الحملات في مناطق التجمعات الكردية وزيارة المدن الكردية مثل ديار بكر، ولقاء العشائر والأهالي لحثّ أبنائهم على التصويت لمرشح حزب العدالة والتنمية. لكن هذه الخطوات أحدثت أثرًا ضعيفًا، على نحو حدا بالحكومة، في محاولة لكسب الصوت الكردي، إلى استخدام ورقة عبد الله أوجلان، فجاءت النتائج كارثية؛ ذلك أنه تم السماح لزعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل منذ عام 1999 بلقاء فريق محاميه وإرسال رسالة إلى ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي جاء فيها أنّ "مفهوم التحالف الديمقراطي، في حزب الشعوب الديمقراطي، يقضي بألّا يكون طرفًا أو سندًا في مناقشات الانتخابات الحالية، وأن أهمية التحالف الديمقراطي، تكمن في ألّا يشارك في المعضلات، ويصرّ على موقفه المحايد في الانتخابات".

يعد عبد الله أوجلان في تركيا إرهابيًا، وغالبًا ما تطلق عليه وسائل الإعلام القريبة من الحكومة وصف زعيم الإرهابيين أو قاتل الأطفال، لكن محاولة استخدامه في معركة سياسية داخلية، والسماح له بتوجيه رسالة قبل ثلاثة أيام من الانتخابات بغرض التأثير في نتائجها، جاءا بنتائج عكسية كبيرة؛ فبدلًا من ثني الناخبين الأكراد أو قسم منهم عن التوجه إلى الصناديق، شعروا بأن عليهم فعل عكس الرسالة تمامًا، خاصة أن أوجلان لم يتخذ هذا الموقف في انتخابات 31 آذار/ مارس، ومن ثم فإن موقفه الجديد ولّد انطباعًا بأن ضغوطًا مورست عليه. أما القوميون فقد رفضوا محاولات حليفهم العدالة والتنمية التودد إلى الأكراد، في حين دخل حزب الشعب الجمهوري المعارض في تحالف ضمني مع حزب الشعوب الديمقراطي (الذي لم يقدّم مرشحًا لرئاسة بلدية إسطنبول، ولو قدّم لكانت النتيجة لمصلحة حزب العدالة والتنمية بالتأكيد). وهكذا جاءت رسالة أوجلان بنتائج عكسية، إذ تقاعس القوميون عن المشاركة في الانتخابات رغم مناشدة زعيمهم دولت بهتشلي، في حين صوّت الأكراد عكس رغبة رجب طيب إردوغان، وفي الحالتين لم تلتزم القواعد بمواقف قيادات أحزابها.

محاولة التأثير في ناخب حزب السعادة، إذ تعتبر كتلتا حزب السعادة وحزب العدالة والتنمية كتلتين متقاربتين فكريًا وأيديولوجيًا، وقد حصل مرشح حزب السعادة في 31 آذار/ مارس على 100 ألف صوت في إسطنبول، وقد حاول حزب العدالة والتنمية التقرب من قاعدة السعادة للحصول على هذه الأصوات في انتخابات الإعادة، فكثّف حملته في صفوف الحزب وأجرى لقاءات مع نخبه، وكانت التوقعات تشير إلى أن نصف الأصوات تقريبًا أو أكثر بقليل سيذهب إلى حزب العدالة والتنمية، ولكن ما حدث هو العكس، إذ حصل مرشح السعادة على 50 ألف صوت ويُرجح أن الـ50 ألف صوت الأخرى ذهبت إلى إمام أوغلو الذي ارتفعت نسب التصويت له في أحياء الفاتح وأيوب وأسكودار، وهي مناطق محسوبة على حزب العدالة والتنمية وفيها تأييد لحزب السعادة.

التركيز على أخطاء إمام أوغلو؛ إذ ركّز حزب العدالة والتنمية على قضية التزوير وسرقة الأصوات وأخطاء أخرى له من قبيل شتمه والي مدينة أوردو، ثم إنكاره ذلك على الرغم من وجود فيديو مسجل يثبت هذا. ولكن يبدو أن هذه الحملة لم تخاطب إلا الكتلة الصلبة لحزب العدالة والتنمية، ولم تؤثر في مَن هم خارجها، ولا سيما المستائين من سياسات الحكومة، وعلى رأسها تعيين صهر الرئيس إردوغان وزيرًا للمالية، وملفات الفساد والمحسوبية، وقضية اللاجئين السوريين التي تم استخدامها على نطاق واسع خلال الحملة الانتخابية. وقد حاول حزب العدالة والتنمية استدراك فشله بالتركيز على قضايا أهم بالنسبة إلى الناخب مثل البطالة والاقتصاد وغيرها، لكن إستراتيجية الحزب في الخطوط الرئيسة أعلاه فشلت في تحقيق أي فارق، ذلك أنها جاءت متأخرة.

لماذا زادت أصوات إمام أوغلو؟

أدت مجموعة من الأسباب إلى تحويل نصر مرشح المعارضة بهامش بسيط في انتخابات 31 آذار/ مارس إلى نصر ساحق في انتخابات الإعادة، أهمها:

عامل المظلومية أو كما يسمى باللغة التركية "المغدورية"، إذ قدّم إمام أوغلو نفسه باعتباره ضحية لماكينة الحزب الحاكم الإعلامية والدعائية ومناوراته السياسية في محاولة لحرمانه من حقه الذي منحه إياه الناخب التركي في رئاسة بلدية إسطنبول، وأن نصره الانتخابي سُرق منه نتيجة ضغوط مارستها الحكومة على اللجنة العليا للانتخابات لإعادتها. هذا الأمر دفع شريحة لا بأس بها من الناخبين إلى التعاطف مع إمام أوغلو، بدليل ارتفاع نسب التصويت له في جميع مقاطعات إسطنبول البالغ عددها 39 مقاطعة.

لم يكن إمام أوغلو معروفًا على نحو كبير لجميع سكان إسطنبول في الانتخابات الماضية، لكن الأمر اختلف بعد أن فاز برئاسة البلدية في 31 آذار/ مارس، وقد استغل شخصيته الكاريزمية وأسلوبه اللبق وحيويته وخطابه التجميعي المتفائل خلال الحملة الانتخابية الأخيرة لكسب مزيد من الأصوات. وعلى الرغم من خبرة يلدرم، فقد استفاد إمام أوغلو من الصورة التي أظهرته في المناظرة التلفزيونية شابًا مفعمًا يسعى إلى التغيير ويتحدث عن المستقبل مقابل يلدرم الذي كان كل حديثه عن الماضي وعن إنجازاته فيه. وقد حقّق إمام أوغلو أصواتًا أكثر من المرة السابقة في المناطق ذات الكثافة العلمانية مثل بشكتاش وبكركوي وكاديكوي وقلَب النتيجة على منافسه في مناطق إسطنبول المحافظة.

بدأت آثار التراجع الاقتصادي في تركيا تظهر بصورة أكبر خلال الشهور الماضية، خاصة البطالة بين الشباب والتضخم الذي يؤثر في قطاع التجارة والأعمال، ومن ثم، كان الوقت في عملية إعادة الانتخابات في مصلحة المعارضة وليس في مصلحة الحزب الحاكم.

خاتمة

من الواضح أن حزب العدالة والتنمية أخطأ التقدير بقرار إعادة الانتخابات. ولو أنه قبل النتيجة الأولى لكان أفضل له ولصورة العملية الديمقراطية في تركيا؛ ذلك أن سلسلة الانتصارات التي دأب الحزب على تحقيقها منذ عام 2002 قد انكسرت وبقوة وفي أبرز معاقله (إسطنبول التي احتفظ برئاسة بلديتها نحو عقدين من الزمن). لقد اكتسب أكرم إمام أوغلو زخمًا كبيرًا خلال هذه الانتخابات، وأصبح قياديًا مهمًا لدى المعارضة، وهو ما يؤهله ليكون منافسًا محتملًا قويًا في أي انتخابات قادمة. بناء عليه، من المرجح أن يعمل حزب العدالة والتنمية على مراجعة جذرية للنتائج، وأن يقوم بتقييم أسباب عزوف الناخبين عنه وعدم كفاية تحالفه مع الحركة القومية لتأمين فوزه. كما سيقوم على الأرجح بتقييم رؤية الناخبين لسياسات الحزب وسلوك شخصياته، خصوصًا الوزراء، ومن المحتمل أن تجري تغييرات كبرى على مستوى القيادات والكوادر في الحزب والحكومة. لكن التحدي الأكبر الذي سيواجه الحزب خلال الفترة القادمة هو منع حصول انقسام داخله في ظل الحديث عن تشكيل أحزاب جديدة بمبادرات من قيادات سابقة فيه مثل أحمد داود أوغلو وعلي باباجان وعبد الله غول. وهذا لن يحصل إلا إذا تغيَّر نهج التهميش والإقصاء الذي دفع بالعديد من كفاءات الحزب وكوادره إلى الانزواء والتفكير في الخروج منه.

في الحصيلة، حصل مرشح المعارضة، أكرم إمام أوغلو، على 4 ملايين و700 ألف صوت تقريبًا، وهو العدد نفسه الذي صوّت ضد التعديلات الدستورية في إسطنبول في 16 نيسان/ أبريل 2017، وهو الاستفتاء الذي فاز فيه حزب العدالة والتنمية بنسبة 51.4 في المئة مقابل 48.6 في المئة. ولكن ما تجدر الإشارة إليه أن الفارق الذي حقّقه إمام أوغلو خلال شهرين هو 800 ألف صوت، أي ما يعادل 2 في المئة من أصوات الناخبين الأتراك، وهو المعطى الرقمي الذي يجب أن يدخل في حسابات التنافس في أيّ انتخابات قادمة، إضافة إلى المعطى المعنوي المتمثل في فوز مرشح المعارضة مرتين.