الاتفاق النووي: تصلب أميركي وتخبط أوروبي وتصعيد إيراني "مدروس"

الاتفاق النووي: تصلب أميركي وتخبط أوروبي وتصعيد إيراني "مدروس"
خلال المباحثات التي أفضت إلى توقيع الاتفاق عام 2015 (أرشيفية - أ ب)

اتخذت السلطات الإيرانية في طهران، خطوة عملية جديدة باتجاه تقليص التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق النووي المبرم عام 2015، وفق ما نقلت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا)، عن مصادر في الحكومة.

وفيما يتسم الموقف الأميركي في التصلب، والأوروبي بالتخبط حيث أظهرت الدول الأوروبية قدرة ضعيفة على احتواء الأزمة وبالتالي إنقاذ الاتفاق، تحاول إيران جاهدة قلب الطاولة في مساع لتخفيف أثر العقوبات الأميركية على اقتصادها المحلي، في خطوات تصعيدية مدروسة.

وكانت إيران قد قالت الأول من أمس، الأربعاء، إنها ستبدأ تطوير أجهزة الطرد المركزي حتى تسرع عملية تخصيب اليورانيوم، التي يمكن أن تنتج وقودا لمحطات الطاقة النووية أو لصنع أسلحة، بينما لا تزال إيران تشدد على أنها لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية.

ونقلت الوكالة عن المتحدث باسم وزارة الخارجية، عباس موسوي، قوله إن "وزير الخارجية (محمد جواد) ظريف، أعلن في رسالة إلى مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني، أن إيران رفعت كل القيود عن أنشطتها للبحث والتطوير".

ويسمح الاتفاق النووي المبرم بين إيران والقوى الكبرى، لطهران، بمواصلة أنشطة محدودة للبحث والتطوير فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم، دون تخزين اليورانيوم المخصب، ويشمل ذلك العمل بأنواع معينة من أجهزة الطرد المركزي المتطورة. 

ويعتبر الأوروبيون أن الاتفاق كبح أنشطة إيران النووية، في مقابل رفع معظم العقوبات عن طهران في عام 2016. غير أن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق العام الماضي، وأعادت فرض العقوبات على إيران، ما يهدد مستقبل الاتفاق ومدى التزام الأطراف الموقعة عليه.

وتمارس إدارة الرئيس دونالد ترامب، سياسة "الضغوط القصوى" على إيران لإجبارها على التفاوض على اتفاق جديد يكون ملزما أكثر بالنسبة إليها.

تقليص إضافي لالتزامات طهران في الاتفاق النووي

وردت إيران بتقليص التزاماتها النووية منذ انطلاقًا من أيار/ مايو الماضي، وهددت بمواصلة تقليص القيود على برنامجها النووي ما لم تفعل القوى الأوروبية الموقعة على الاتفاق المزيد لحماية الاقتصاد الإيراني من العقوبات الأميركية.

فيما دعت بريطانيا وفرنسا، الموقعتان على الاتفاق، إيران إلى الامتناع عن القيام بأي خطوة لا تتمشى مع الاتفاق.

ومن المقرر أن تعلن إيران، يوم غد، السبت، تفاصيل إجراءاتها الجديدة المتصلة بخفض التزاماتها الواردة في الاتفاق النووي، ردا على فرض عقوبات أميركية مشددة عليها، الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي إلى مطالبتها بالتخلي عن هذه الخطوة.

ويعقد المتحدث باسم وكالة الطاقة الذرية، بهروز كمالوندي، مؤتمرا صحافيا لعرض تفاصيل الخطوة الثالثة من تقليص إيران التزاماتها النووية منذ أيار/ مايو، بحسب وكالة أنباء الطلبة "إسنا".

وسيكشف كمالوندي كيفية تنفيذ الأمر الذي أصدره الرئيس الإيراني، حسن روحاني، بالتخلي عن أي قيود في مجالي البحث والتطوير النوويين، وصدر مساء الأربعاء الماضي.

وبذلك، يكون روحاني قد دشن المرحلة الثالثة من خطة تقليص التزامات طهران النووية، التي نص عليها الاتفاق الدولي حول برنامجها النووي الذي وقع في تموز/ يوليو 2015 في فيينا.

وتحدث روحاني عن "توسيع مجال الأبحاث والتطوير وأنواع مختلفة من أجهزة الطرد المركزي، وكل ما نحتاج إليه من أجل تخصيب" اليورانيوم.

ورد المتحدث باسم وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، كارلوس مارتن رويز دي غورديخويلا، أمس، الخميس، "إننا نعتبر هذه الأنشطة غير متوافقة (مع الاتفاق النووي)، وفي هذا السياق نحضّ إيران على التراجع عن هذه الخطوات والامتناع عن أي خطوات إضافية تقوض الاتفاق النووي".

وتجري ثلاث دول أوروبية هي فرنسا وألمانيا وبريطانيا محادثات في محاولة لإنقاذ الاتفاق النووي الذي بات مهددًا بعد انسحاب الولايات المتحدة منه، ويقود هذه الجهود الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي يحاول إقناع الولايات المتحدة بأن تعفي إيران من بعض العقوبات المشددة التي فرضتها عليها.

وظلّت إيران تُعبّر عن استياء متزايد من عجز أوروبا عن الالتفاف على العقوبات الأميركية مقابل استمرار التزام طهران بالاتفاق. وردت مرتين بإجراءات مضادة على الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي.

ففي الأول من تموز/ يوليو، قالت إيران إنها رفعت مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى أكثر من 300 كيلوغرام وهو الحد الذي يسمح به الاتفاق. وبعد أسبوع أعلنت أنها تخطت سقف تخصيب اليورانيوم المحدد بـ3.67 بالمئة.

وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 30 آب/ أغسطس، إن مخزون إيران من اليورانيوم يبلغ حوالي 360 كيلوغراما، وأن ما يزيد بقليل عن 10 بالمئة منه فقط، تم تخصيبه بنسبة 4.5 بالمئة.

خط ائتماني أوروبي يصطدم برفض أميركي

وتقوم الخطة الأوروبية التي نوقشت في الأيام الأخيرة، على منح طهران خطا ائتمانيا بقيمة 15 مليار دولار، مقابل عودتها إلى تنفيذ كامل للاتفاق، لكنها لا تزال تصطدم برفض أميركي.

وقال مصدر دبلوماسي فرنسي، إن هذا المبلغ يوازي ثلث الصادرات الإيرانية من المحروقات العام 2017، وسيتم سداد المبالغ التي تحصل عليها طهران عبر الخط الائتماني خلال التفاوض عبر عمليات بيع مستقبلية للنفط الإيراني.

لكن هذه الخطة لا يمكن أن ترى النور إذا لم تتراجع واشنطن عن بعض من عقوباتها التي تستهدف بيع النفط الإيراني، الأمر الذي ترفضه الولايات المتحدة بشدة.

وفي ظل أجواء التوتر المسيطرة على المشهد، وصف وزير الخارجية الإيراني، ظريف، عبر حسابه الرسمي بموقع "تويتر"، وزارة الخزانة الأميركية بأنها "حارس السجن".

واعتبر المحلل لدى مجلس "أوراسيا غروب" الأميركي، هنري روم، أن الإجراء الإيراني "استفزازي ولكن يمكن العودة عنه"، مضيفا أن "إيران تسعى إلى قلب الموازين لصالحها وليس إلى صنع قنبلة" نووية.

بدوره، أكد السفير الفرنسي السابق لدى إيران، فرنسوا نيكولو، أن الإجراءات الإيرانية الجديدة "ستشمل في الدرجة الأولى تطوير أجهزة طرد مركزي جديدة" لتخصيب اليورانيوم.

وأوضح أن اتفاق فيينا "يحد بشكل كبير من تطوير نماذج مختلفة من الجيل الجديد من أجهزة الطرد"، كما يحد من "عدد أجهزة الطرد المركزي التي يتم تجميعها واختبارها" ويفرض "جدولا زمنيا صارما يتصل بالتطوير".

واعتبر نيكولو أن ما أعلنته إيران "مدروس جدا"، و"مفاعيله الملموسة الأولى لن تظهر قبل عام أو عامين"، ولكن بخلاف التدابير الأولى التي تم اتخاذها على صعيد تقليص الالتزامات، "فإنه لا يمكن التراجع عن التدابير الجديدة سوى بشكل جزئي"، وأضاف "في الواقع، حتى لو توقفت الأبحاث، فإن المكتسبات العلمية تبقى على الدوام".